صدام…

عابد شارف

 

ما الذي أثار ذلك الألم العميق عند المواطن الجزائري، والعربي بصفة عامة، لما سمع خبر إعدام الرئيس العراقي الأسبق صدام حسين؟ ما الذي جعل الفاجعة فاجعتين، وخلق ذلك الشعور بالخجل والإهانة؟ هل كانت الحيرة أقوى لأن المسلمين لم يكونوا يتخيلون ثانية واحدة أن مسلمين آخرين سيختارون يوم عيد الأضحى ليأخذوا ثأرهم من رجل اعتبروه عدوا لهم؟ هل كانت الضربة قاسية لأنها ترمز إلى عجز العرب وفشلهم لبناء شيء ما، وقدرتهم على صنع القرار الذي يحطم أوطانهم؟ هل كانت الإهانة أقوى وأدت إلى ذلك الانهيار البسيكولوجي لأن المسلمين اكتشفوا أن مسلمين آخرين اختاروا أن يلعبوا دورا قذرا ليقوموا بما تردد الجيش الأمريكي عن القيام به؟ أم لأن الإهانة تتمثل في أن أول رئيس يحاكم ويشنق في التاريخ المعاصر كان منا؟

ونظرا للظرف الذي تمت فيه الجريمة، أخذ الحدث طابعه الخاص، حيث سيطرت المشاعر والمواقف العاطفية في الشارع. وتكلم الناس عن الجانب الديني والإنساني، وأجمعت التعاليق لذم ما قام به حكام العراق الجدد، مهما كانت المواقف السياسية من تصرف صدام حسين لما كان في السلطة. وفي آخر المطاف، لما تم بث الصور الكاملة لعملية الإعدام، فإن صدام حسين أثار بعض التعاطف حتى عند من كان يعاديه، بفضل حزمه أمام الموت وشجاعته وتقبله لمصيره دون أن يخجل.

وقد تطرق المحللون لهذه القضايا والعواطف التي أثارتها بكثرة، وحاولوا أن يعرفوا من سيربح ومن سيخسر من هذه الجريمة الجديدة، كما حاولوا أن يشرحوا موقف هذا ويبرروا موقف ذاك، ولا مجال للعودة إلى هذه القضايا، باستثناء نقطتين: إن العراق بلد محتل، ولا توجد فيه عدالة، ويتحمل الجيش المحتل مسئولية الجريمة مهما كانت التبريرات والاعتذارات التي تشير مثلا إلى أن بريطانيا عارضت فكرة إعدام الرئيس العراقي السابق وأن أمريكا حاولت تأجيل موعد تنفيذها. هذا من جهة. ومن جهة أخرى، فإن حكاما عربا فتحوا الباب مرة أخرى أمام نزعتهم الحيوانية التي تدفعهم نحو الثأر، دون أن يأخذوا بعين الاعتبار النتائج السياسية لتصرفهم، وهم يساهمون بذلك في زرع الحقد والطائفية في أوطانهم، مما يجعلهم مشاركين في الصف الأول في عملية تحطيم بلادهم. وهم يبرهنون من خلال ذلك أنهم ليسوا أحسن من صدام حسين، إن لم يكونوا أبشع منه، مما دفع أحد الأصدقاء إلى القول أننا حكمنا على صدام حسين لأننا لا نعرف أعداءه…

لكن الخيانة والولاء لا تصنع الأمجاد. ويكفي السادة جلال الدين طلباني ونوري المالكي أن يعيدوا النظر في تاريخ بلادهم الحديث وتاريخ المنطقة ليعرفوا أنهم صنعوا الحبل الذي سيشنقهم يوم قاموا باغتيال صدام حسين، لأنهم أخطئوا في تحديد الأعداء وتحديد الأهداف وتحديد التحالفات وأخطئوا في تعريف بلادهم ومصالحها. ولعلهم في ذلك لم يجتهدوا كثيرا لأن المرحوم صدام حسين كان هو كذلك أخطأ تقريبا في كل هذه النقاط.

وقبل عشرين عاما، كان دونالد رامسافلد يزور العراق رسميا كعضو في الحكومة الأمريكية، ويساند صدام حسين لما كان الرئيس العراقي في حرب ضد إيران. وكانت أمريكا ترى آنذاك أن الثورة الإيرانية تشكل خطرا على الاستقرار الدولي، وكان الشارع الجزائري يتعاطف مع الثورة الإيرانية، ولعب العراق دورا أساسيا لاحتواء هذا الخطر بدخوله حربا خلفت مليونين من الضحايا وأنهكت البلدين.

وفي نفس الفترة، كانت أمريكا تتعامل مع أسامة بن لادن في أفغانستان، وتعتبره صديقا حميما، بحجة محاربة التوسع السوفياتي في أفغانستان. وكانت أمريكا تعتبر برهان الدين رباني وغلب الدين حكمتيار مجاهدين مناصرين للحرية، ويستفيدون من مساعدات الغرب كله والمخابرات الأمريكية بصفة خاصة.

أما اليوم، فإن أمريكا جاءت بقواتها لتطيح بصدام حسين، ودمرت بلاده، وألقت عليه القبض، وسلمته لفئة من عملائها ليأخذوا منه الثأر بشنقه. وتواصل أمريكا مطاردة أسامة بن لادن، وجعلت منه الرجل الذي يجب إلقاء القبض عليه مهما كان الثمن، وأنفقت لذلك أموالا لم تنفق إلى لمطاردة صدام حسين.

وإذا تابعنا ما يحدث اليوم في العراق، فإنه لا يختلف مطلقا عما كان يحدث في عهد صدام حسين، حيث نجد أن الميليشيات والمخابرات تقوم بنفس العمل الذي تعرفه كل البلدان التي تعيش تحت حكم استبدادي. وتشير الأخبار الواردة من العراق إلى أنه يتم العثور يوميا على عشرات الجثث، أي أن الميليشيات الموالية للسلطة الحالية تقتل يوميا عشرات المواطنين وترمي بجثثهم في الشوارع، وهي ظاهرة معروفة عاشها الشيلي والجزائر وغيره من البلدان التي عاشت مرحلة من العنف.

ولا يمكن لنوري المالكي أن ينجو إلى الأبد من المحاكمة، فبعد عشرة أو عشرين سنة، سيجد نفسه أمام محكمة أخرى توجه إليه تهمة باغتيال مواطنين أبرياء، وجرائم حرب، وسيأتي ضباط أمريكيون ليقدموا شهادات حول بشاعة نوري المالكي وطلباني، ويعاد علينا مرة أخرى ذلك المظهر الرهيب الذي نشاهد من خلاله عربا ومسلمين يعذبون إخوانهم ويحطمون بلدانهم ويغتالون ذويهم لإرضاء أمريكا. وسنشاهد أئمة آخرين وآيات الله يبرئون هذا ويتهمون ذاك، ويبقى الإسرائيلي والأمريكي يتفرج ويقول : سبحان الله، ما أقوى هؤلاء القوم في تحطيم بلدانهم وقهر شعوبهم، وما أقواهم على نسيان التاريخ وتجاهل دروسه…

ع.ش

Publicités
Article précédent
Poster un commentaire

Laisser un commentaire

Entrez vos coordonnées ci-dessous ou cliquez sur une icône pour vous connecter:

Logo WordPress.com

Vous commentez à l'aide de votre compte WordPress.com. Déconnexion / Changer )

Image Twitter

Vous commentez à l'aide de votre compte Twitter. Déconnexion / Changer )

Photo Facebook

Vous commentez à l'aide de votre compte Facebook. Déconnexion / Changer )

Photo Google+

Vous commentez à l'aide de votre compte Google+. Déconnexion / Changer )

Connexion à %s