قصة الأمير عبد المؤمن

 

عابد شارف

 

بعد الانهيار الأخلاقي، تكتشف الجزائر الانهيار الأمني. وبعد أن تابعت الجزائر قافلة الوزراء والمدراء المتهمين أو "الشهود" في قضية "خليفة"، جاء الإمبراطور نفسه ليؤكد الانهيار الأخلاقي من جهة، ويعطي ملامح الانهيار الأمني الذي وصلت إليه البلاد، لتتحول قضية "خليفة" من عملية سطو على بنك إلى قضية أمن دولة وشعب بكامله.

ولنبدأ من البداية. فأما عن الجانب الأخلاقي، فقد جاء كلام عبد المؤمن خليفة ليؤكد ما كان يخشاه الكثير: إن الرجل الذي تمكن من قيادة عملية سطو قام بها بنك للاستيلاء على أموال الشعب ظهر بصورة رديئة وضعيفة إلى أقصى درجة، وفي كل الميادين. فلا هو يحسن الكلام، ولا يتحكم في المصطلحات، ولم يبد تكوينا يفرقه عن أي محتال من أي حي شعبي بنواحي العاصمة. وقال لنا مشاهد تابع لقاء عبد المؤمن خليفة مع تلفزيون "الجزيرة" أنه "أصيب بخيبة أمل أخرى". وقال أنه كان ينتظر رجلا "يحسن على الأقل كلام الصعاليك، ويقدم تبريرات، ويدافع عن نفسه، فوجد رجلا رديئا، أقل من العادي".

وتقاسم الكثير هذا الشعور برداءة الرجل، وهو الأمر الذي يكون قد أدى إلى تساؤل تردد عند عدد ممن طلبنا رأيهم في القضية: كيف تمكن شخص عادي إلى هذه الدرجة من مخادعة مسئولين كبار في الدولة؟ ما الذي يدفع وزيرا إلى الخضوع والركوع أمام أوامر رجل يتميز قبل كل شيء برداءته؟ وهنا، فإن الجواب يفرض نفسه: يركع لرديء من هو أدنى منه، ويخضع لصعلوك من تسلم منه رشاوى وامتيازات غير مشروعة… هذا ويبقى باب الرأي مفتوحا في الموضوع…

أما عن الجانب الأمني، فإنه أهم جانب تطرق إليه عبد المؤمن خليفة في مقابلته مع الجزيرة. فقد قال صاحب البنك والقضية أنه سلم ملفا كاملا للعدالة البريطانية والفرنسية عن قضية "خليفة". وقال أنه تحصل على صفة اللاجئ السياسي في بريطانيا على أساس هذا الملف. وفي كلامه إشارة واضحة إلى موضوع حساس: قال الرجل أن السلطات الفرنسية والبريطانية تعرف كل شيء، بما فيه ما تجهله محكمة البليدة، خاصة فيما يتعلق بالأسماء التي حصلت على مزايا من طرف عبد المؤمن خليفة دون أن يتم ذكرها لحد الآن في الجزائر. ويعني ذلك أن هذه الدول بأجهزتها الأمنية ومخابراتها ودبلوماسيتها وشركاتها الكبرى تعرف ما لا نعرف، خاصة بعض المعلومات التي تشكل قنابل حقيقة: أي وزير تسلم أي مبلغ، وأي مسئول تحصل على أية رشوة في هذه القضية أو تلك. ومن هنا فإن العديد من المسئولين الجزائريين الذين يجوبون العالم للدفاع عنا وعن مصالحنا -حسب ما يقولون- يجدون اليوم أنفسهم محلا للشك، ولا يمكن أن نصدق كلامهم ولا أن نتبنى مواقفهم وقراراتهم، لأن السؤال يبقى مطروحا حول تصرفهم: هل اتخذوا هذا الموقف أو ذلك القرار بناء على مصلحة الجزائر، أو بسبب الضغوط التي يفرضها عليهم الطرف الآخر الذي حصل على "ملف" من أيدي عبد المؤمن خليفة؟

وهنا تظهر كل الخطورة التي تشكلها قضية "خليفة": خطورة سلوك صاحب القضية الذي وضع البلاد رهينة مصالح لا نعرفها، والمسئولية الأكبر التي يتحملها أناس آخرون اختاروا أن يبقوا في السلطة وهم رهينة مصالح أجنبية، وأخيرا أكبر مسئولية يتحملها أهل السلطة الحقيقيين الذين فرضوا على البلاد مجموعة من المختلسين تحولوا بسبب أطماعهم ومناصبهم إلى خونة حقيقيين، خاصة إذا تأكدت التصريحات التي أدلى بها عبد المؤمن خليفة.

إلى جانب كل هذا، تأكد انهيار الأجهزة الأمنية الجزائرية، من شرطة ومخابرات وجمارك وإدارات مركزية التي لم تعرف تجنب البلاد سرابا اقتصاديا تحول إلى عاصفة أخلاقية وأمنية. ومن المعهود أن أية دولة تكسب سلسلة من الحواجز القانونية التي تحمي المجتمع ضد مغامرات مماثلة. لكن كل هذه الحواجز لم تكتف بعجزها في مواجهة العملية، بل أن جزء منها تحول إلى حليف لمغامر في عملية احتيال كبرى.

وبفضل هذا التواطؤ، تمكن عبد المؤمن خليفة أن يقيم جهاز أمن يتكون من 900 شخص دون أية رخصة قانونية. واختار ضمن إطارات هذا الجهاز العديد من قدامى الشرطة والجيش والدرك، ممن يتميزون بتحكمهم في استعمال السلاح. وحسب التصريحات الرسمية، فإن عددهم بلغ ضعف عدد أعضاء الجمعية السلفية للدعوى والقتال… ولم يبق لصاحب القضية إلا أن يسمي نفسه "الأمير عبد المؤمن" ليترأس قاعدة جديدة.

ع.ش

Publicités
Article précédent
Article suivant
Poster un commentaire

Laisser un commentaire

Entrez vos coordonnées ci-dessous ou cliquez sur une icône pour vous connecter:

Logo WordPress.com

Vous commentez à l'aide de votre compte WordPress.com. Déconnexion / Changer )

Image Twitter

Vous commentez à l'aide de votre compte Twitter. Déconnexion / Changer )

Photo Facebook

Vous commentez à l'aide de votre compte Facebook. Déconnexion / Changer )

Photo Google+

Vous commentez à l'aide de votre compte Google+. Déconnexion / Changer )

Connexion à %s