« خليفة » انتخابية

عابد شارف

 

اجتهدت أمريكا سنوات طويلة في البحث عن طريقة تضمن لها السيطرة على أقطار وقارات بخيراتها وشعوبها. وفرضت سيطرتها العسكرية تارة، ونفوذها السياسي تارة أخرى، ولجأت إلى الضغوط الاقتصادية في العديد من الحالات. ولما تعلق الأمر بالعالم العربي، اختارت أمريكية اللجوء إلى طريقة جديدة تتمثل في قتل الدولة "statecide "، وهي طريقة تجعل من الوجود الأمريكي مطلبا دوليا من أجل تجنب الفوضى والحرب الأهلية.

واستعملت إسرائيل نفس الطريقة في فلسطين. فبعد عشر سنوات من الحصار الإسرائيلي، انهارت السلطة الفلسطينية، وسقطت رموزها، مما فتح الباب أمام تنظيمات المقاومة التي تنشط دون قيود ولا تأطير سياسي. ولما انفلت الوضع، ادعى الإسرائيليون وحليفهم الأمريكي أنهم لا يجدون من يفاوضهم عن الطرف الفلسطيني. ونجحت خطة إسرائيل لأنها أدت إلى انهيار المؤسسات الفلسطينية، مما يضع محمود عباس في أضعف موقع ممكن للضغط عليه وفرض الحلول التي تخدم إسرائيل.

أما في الجزائر، فإن قتل الدولة جاء بطريقة أخرى. جاء في مرحلة أولى برفض التغيير الضروري الذي يسمح بالمرور من دولة تقليدية لعهد ما بعد الاستقلال، إلى الدولة العصرية التي تقوم بتسيير شؤون البلاد في القرن الجديد. وتواصل قتل الدولة بسنوات العنف، وفي مرحلة أخيرة جاءت "دولة خليفة"، ذلك التنظيم الإداري الذي فتح الأبواب لنهب أموال الشعب دون أن تتمكن الهيئات الرسمية والبنوك والجمارك والشرطة والمخابرات من مواجهة تنظيم اقتصادي تحول إلى تنظيم إجرامي.

وقد يعتبر البعض أن استعمال عبارة "قتل الدولة" قاسية جدا ولا تنطبق على وضع الجزائر. لكن ذلك قضية "خليفة أكدت أن البلاد تعيش انهيار مؤسساتها بشكل كامل، إلى جانب ظاهرة جديدة، تتمثل في انهيار المجتمع، الذي مات، ليصبح عاجزا عن أب مواجهة. وحسب ما نشر عن هذه القضية، وهو جانب فقط من الحقيقة، فإن معظم مؤسسات الدولة التي كان من المفروض أن تحافظ على أمن المواطن وأمواله، وجدت نفسها مورطة في القضية. فلم تكتف هذه المؤسسات بالعجز عن القيام بدورها، بل تخلت عنه لتصبح شريكة في الجريمة. وفي نهاية المطاف، أصبحت كل المؤسسات محلا للشك، بينما يبقى من يحتل منصب المسئولية محلا للشك كذلك لدى الرأي العام لأن لا أحد يقتنع اليوم أن محكمة البليدة أحاطت بكل خبايا القضية.

 أما عن المجتمع الجزائري، فإنه انهار معنويا مثلما يؤكده سلوك عبد المجيد سيدي سعيد. فهذا الرجل اعترف أمام المحكمة أنه زور وثيقة فتحت الباب للاحتيال على أموال العمال. وتمكن حلفاؤه وأصدقاؤه في السلطة وفي المافيا أن يحموه، وكان هذا شيء منتظر لأن الرجل خدم النظام بصفة مطلقة منذ زمن بعيد. لكن ما لم يكن منتظرا هو ذلك الصمت الذي مازال متواصلا في صفوف التنظيم النقابي، حيث لم يتكلم شخص واحد في النقابة، في أي مستوى كان، ليطلب منه أن يستقيل أو يطلب العفو أو ينتحر…

ويزيد الأمر خطورة إذا عرفنا أن الأمر يتعلق بتنظيم نقابي، يقال عنه أنه يدافع عن العمال والمضطهدين، وأنه كان التنظيم الأساسي الذي وقف في وجه الفيس في التسعينات… لكن لم يعرف التاريخ تنظيما بهذه الحماقة، لا تحت نظام بينوشي ولا تحت نظام فرانكو، لأن التنظيمات النقابية كانت في كل زمان ومكان تتميز بحد أدنى من المبادئ التي تسمح لها بالبقاء.

والحقيقة أن هذا الوضع يصبح مخيفا بالنسبة للسلطة نفسها. وعلى السلطة أن تتساءل ما الذي أصاب هذا الجسد الاجتماعي، ولماذا أصبح لا يقاوم ولا يواجه ولا "ينش الذبان" على نفسه. فالسلطة التي تدعي أنها تحكم البلاد لا تكتفي بالثروة والنهب والقمع، حتى وإن كانت غير شرعية، بل عليها أن تعرف ما الذي يحصل في صفوف المجتمع، ولماذا انهارت هذه الفئة أو تلك، ولماذا توصلت فئة إلى فقدان عيشها وشرفها ومناعتها، ولتصيح عاجزة على أي رد فعل.

هذه أسئلة من المفروض أن تطرح خلال الحملة الانتخابية للتشريعيات المقبلة. لكن المؤشرات الأولى تقول أن الانتخابات سيسيطر عليها كلام "الشكارة" وغيره من المصطلحات التي كثر استعمالها خلال محاكمة قضية "خليفة". وإذا تم استعمال نفس الكلام في المحكمة وخلال الحملة الانتخابية، فلا شك أن الحدثين سيتشابهان، لتعيش الجزائر "خليفة انتخابية". ولكن هل هذا جديد علينا؟

ع.ش

Article précédent
Poster un commentaire

Votre commentaire

Entrez vos coordonnées ci-dessous ou cliquez sur une icône pour vous connecter:

Logo WordPress.com

Vous commentez à l’aide de votre compte WordPress.com. Déconnexion /  Changer )

Photo Google

Vous commentez à l’aide de votre compte Google. Déconnexion /  Changer )

Image Twitter

Vous commentez à l’aide de votre compte Twitter. Déconnexion /  Changer )

Photo Facebook

Vous commentez à l’aide de votre compte Facebook. Déconnexion /  Changer )

Connexion à %s