أمريكا والعراق

عابد شارف

 

اختارت إدارة الرئيس الأمريكي جورج بوش غلق كل الأبواب أمام المبادرات التي تهدف إلى حل سياسي في العراق، وفرضت بذلك استعمال القوة كعامل رئيسي للفصل في النزاع. ورغم الفشل الواضح للاحتلال الأمريكي، ورغم فشل المخططات الأمنية، والعجز الواضح للقوى الموالية لأمريكا في فرض سياسيتها، ورغم المآسي والمجازر اليومية التي ترتبت عن الاحتلال، فإن السياسة الأمريكية تبقى مبنية على هذه الفكرة الأساسية، وهي فرض حل على الطريقة الأمريكية بالقوة، مهما كان الثمن الذي يدفعه الشعب العراقي.

ويشكل تنفيذ حكم الإعدام في حق نائب الرئيس العراقي السابق طه ياسين رمضان آخر حلقة في هذا المسار الأمريكي. ولأول مرة في التاريخ المعاصر، يتم شنق رئيس دولة ونائبه. واختارت أمريكا مناسبة عيد الأضحى لاغتيال صدام حسين ورفقائه، ثم انتظرت الذكرى الرابعة لاحتلال العراق لإعدام طه ياسين رمضان، مما يشير إلى أن أمريكا تعمل لتحضير فاجعة جديدة بمناسبة المولد النبوي الشريف.

هذا التصرف الأمريكي لا يشكل مخططا عدوانيا فقط. إنه يشكل في الحقيقة برنامجا دقيقا يعمل إلى زرع العنف في العراق وفي كل المنطقة لدفعها إلى حرب لا متناهية. ومن الواضح أن إعدام مسئول سياسي، مهما كان تصرفه السابق، من طرف قاض يطلب اللجوء السياسي لدى القوة المحتلة أشهرا قليلة بعد المحاكمة، لا يشكل بأية صفة قرارا يرمي إلى تحقيق العدل، ولا يشكل حتى مبادرة للثأر. إن قرارا مثل هذا يدخل ضمن سياسية هدفها الرئيسي أن تضمن دخول العراق في دائرة أبدية من العنف والعنف المضاد، إلى أن يتم تمزيق البلاد وتحطيمها، ليقضي العراقيون أنفسهم على ما عجزت أمريكا أن تدمره.

ومن الغلط أن نقول أن أمريكا أخطأت في تقديرها للمقاومة العراقية. فإلى جانب الخطاب الدعائي الذي كان يؤكد أن العراقيين سيرحبون بأمريكا التي ستأتيهم بالديمقراطية والحرية، أشارت معظم المؤسسات العسكرية والأمنية الأمريكية، وعدد من مراكز الفكر والأبحاث، إلى احتمال نشوب مقاومة وطنية تستطيع أن تشمل معظم فئات المجتمع. ومن جهة أخرى، فإن النظام الأمريكي بطبيعته لا يمكن أن يبني مخططاته على حل وحيد ليجد نفسه أمام مأزق إذا كان الخيار فاشلا.

لذلك، فإن عددا من مراكز الأبحاث الأمريكية درست احتمال بروز مقاومة قوية، واحتمال فشل الاحتلال العسكري، لكنها وافقت على غزو العراق، لأن الهدف لم يكن تحرير العراق من نظام صدام حسين ولا دفع البلاد إلى الديمقراطية، إنما القرار الحقيقي يهدف إلى دفع العراق إلى الدخول في سلسلة من المواجهات التي تؤدي به إلى الانهيار. ومن هذا المنطلق، لا تهتم أمريكا بتكلفة الحرب في العراق، ولا تبالي بخسائرها، إنما همها الأول هو أن يخرج العراق من الخارطة السياسية للمنطقة. وتمت المرحلة الأولى من المخطط باحتلال العراق، ويتم التحضير حاليا للمراحل المتبقية مع اندلاع ما يسمى بالحرب الطائفية، قبل المرحلة الأخيرة التي من الممكن أن تشهد تكوين جيوش عراقية بأكملها يسيطر كل منها على منطقة من مناطق العراق ليتم تقسيم البلاد فعليا وميدانيا.

ولا شك أن القرارات الأمريكية الأخيرة تتماشى تماما مع هذا المخطط. فبينما اقترحت اللجنة التي كان يرأسها وزير الخارجية الأسبق جيمس بيكر والديمقراطي هاميلطون أن تتوجه أمريكا نحو الانسحاب التدريجي والتشاور مع البلدان المجاورة، اختار الرئيس جورج بوش أن يبعث المزيد من الجنود. ورغم أن أغلبية المحللين يقولون أن الوضع يوشك أن ينفلت نهائيا، وأن هناك مقاومة وطنية تتجاوز التقسيمات الطائفية التقليدية، مازالت الإدارة الأمريكية تقول أن العراق لا يعرف حربا أهلية كما أنها تنسب كل العمليات العسكرية إلى تنظيم القاعدة لتبرر بذلك التصعيد في استعمال العنف.

كل هذه القرارات الأمريكية توحي أن واشنطن تريد أن تخلق وضعا لا يسمح أبدا بالحل السياسي بواسطة التفاوض يوما ما. بل أكثر من ذلك، فإن السياسة الأمريكية تشير بوضوح إلى أن واشنطن تخشى انسحاب قواتها من العراق بعد انتهاء عهدة الرئيس جورج بوش، وهي تعمل لخلق وضع جديد يفرض بقاء القوات الأمريكية إذا اندلعت حرب طائفية شاملة، أو يحضر لتخريب العراق في حرب أهلية ستتلو مباشرة الانسحاب الأمريكي.

هذه السياسة تضمن نجاحا شاملا لأمريكا في المنطقة، لأن انهيار العراق سيدفع كل بلدان المنطقة للعمل أولا لمواجهة الوضع الجديد من أجل البقاء، ومن المحتمل أن عددا منها سيطلب الحماية الأمريكية. وعندها، سيتكلم الكل عن التهديد الشيعي أو البعثي أو الإرهابي، ولن يتكلم أحد عن التهديد الإسرائيلي والأمريكي، مما يعطي الوجود الأمريكي شرعية جديدة. وهذا ما تبحث عنه أمريكا بالدرجة الأولى.

ع.ش

Publicités
Poster un commentaire

Laisser un commentaire

Entrez vos coordonnées ci-dessous ou cliquez sur une icône pour vous connecter:

Logo WordPress.com

Vous commentez à l'aide de votre compte WordPress.com. Déconnexion /  Changer )

Photo Google+

Vous commentez à l'aide de votre compte Google+. Déconnexion /  Changer )

Image Twitter

Vous commentez à l'aide de votre compte Twitter. Déconnexion /  Changer )

Photo Facebook

Vous commentez à l'aide de votre compte Facebook. Déconnexion /  Changer )

Connexion à %s