موريطانيا تفتح بابا للحرية

لما استولى العقيد علي محمد فال على السلطة في موريتانيا سنة 2005، وقال أنه سينسحب إثر مرحلة انتقالية تدوم سنتين، بعد تنظيم انتخابات ديمقراطية، استقبل العالم هذا الكلام بنوع من السخرية. واعتقد الكثير أن خطاب الرجل الذي أطاح بنظام معاوية ولد سيد أحمد الطايع سيتصرف مثل كل من سبقه في بلده وفي البلدان العربية والإفريقية الأخرى. واعتبر المحللون أن خطابه الديمقراطي والمتفتح لم يكن إلا ظرفيا ليحصل على مساندة بعض القوى الداخلية والخارجية ذات النفوذ في موريتانيا، كما اعتبروا أن الرجل سينسى مع الوقت خطابه الديمقراطي، وأنه سينتهي لا محالة ببناء نظام عسكري أو عصبي يخدم حاشيته وقبيلته وأقرباءه.

وحقيقة الأمر أن السيناريو الذي استعمله محمد فال للاستيلاء على السلطة في موريتانيا لم يختلف كثيرا عما تعيشه إفريقيا والعالم العربي منذ عهد الاستقلال. بل أن هذا الأسلوب أصبح عملا روتينيا للتداول على السلطة بالقوة، والبقاء فيها بالقوة كذلك. وجاء الرجل بكل الأوصاف التي تجعل منه متسلطا جديدا على بلده، حيث أنه عسكري ينتمي إلى قلب النظام السابق، واختار طريقة الانقلاب للوصول إلى السلطة.

لكن منذ الأيام الأولى، ظهرت بوادر تؤكد أن هناك عوامل أساسية تختلف عما عرفته موريتانيا في الماضي. فقد قام بالانقلاب دون سفك دماء. ثم شرع في تحرير المساجين، بما فيهم عدد من الإسلاميين، رغم الضغوط التي كانت تدفعه إلى القمع. وظهر بسرعة أن الرجل يعمل بطريقة منظمة، مخططة، وأن أعماله متطابقة مع أقواله. وقام بترتيب الأولويات، ووضع لنفسه مراحل يقطعها بانتظام، لا يتسرع لكنه لا يتأخر عن المواعيد. ولما اعتبر أن بلاده قطعت مرحلة في طريق البناء الديمقراطي، قام بتنظيم انتخابات تشريعية ومحلية حرة، واحترم نتائجها. وكانت تلك الانتخابات تحضيرا للرئاسيات التي تم تنظيمها هذا الشهر، والتي جرت في ظروف مقبولة، وتميزت بحرية واضحة، دون أن تؤدي إلى فوز أحد المرشحين بتسعين أو تسعة وتسعين بالمائة مثلما ما جرت العادة في بلداننا.

وجرت الانتخابات في هدوء تام، وكانت بصفة عامة خالية من التزوير، وسمحت للبلاد أن تشرع في نقاش سياسي حقيقي رغم ضعف تجربتها في هذا الميدان. وبعد الإعلان عن نتائج الانتخابات، اعترف الطرف الخاسر بالنتيجة، ولم يتكلم عن التزوير، وهنأ منافسه. وبدوره، لم يعط الفائز في الانتخابات وعدا بقطع الرؤوس، ولا بتصفية حسابات، بل فضل خطابا يمجد الوحدة الوطنية ومشاركة الجميع.

وتختلف هذه التجربة النادرة بصفة جذرية عما عرفته مصر قبل أيام، وما تعرفه الجزائر منذ مدة، وعن سنة (بتشديد النون) السلطة في إفريقيا والعالم العربي. هذا دون الكلام عن القائد الليبي معمر القذافي الذي تكلم عن موريتانيا باستهزاء واعتبر الانتخابات بدعة.

وحقيقة الأمر أن تجربة موريتانيا، رغم أنها في بداية المسيرة، تلفت الانتباه لأن القيادة الموريتانية استطاعت أن تجمع الظروف التي تسمح بتنظيم مرحلة انتقالية ناجحة. ويمكن تلخيص هذه الشروط في خمس نقاط أساسية:

1.             وجود قوة داخلية قوية تستطيع لم الشمل وتنظيم المرحلة الانتخابية. وهذه القوة هي الجيش، بقيادة رجل ينتمي إلى الجيل الثاني، جيل الاستقلال. ويعرف الكل أن موريتانيا لا تكسب أحزابا شعبية قوية، ولا تنظيمات سياسية واجتماعية قادرة على تنظيم الشعب بصفة شاملة، مما يجعل الجيش في وسط اللعبة. لكن هذا الجيش لم يتصرف بمنطق التسلط، بل اختار أن يدفع البلاد إلى الأمام.

2.             وجود مشروع وطني واضح يمكن أن يوفر أكبر عدد من الشروط التي تعتبرها موريتانيا ضامنا لمصالحها. فهذا البلد مازال ضعيفا، يعرف الفقر، ويتشكل من قبائل وبدو رحل سكن عدد منهم المدينة منذ عهد قصير. وهو يواجه في الشمال حدودا مضطربة مع وجود صراع متواصل منذ ثلاثة عقود، ثم يواجه جارا لا يؤتمن، وهو المغرب. ومن الجنوب، تواجه موريتانيا عالما مضطربا يشكل منبعا لهجرة غير منتظمة، إلى جانب صحراء شاسعة لا يستطيع التحكم فيها رغم أنها تحولت إلى مجالا للتهريب والإرهاب، حيث يعتقد أمريكا أن هذه المنطق من الممكن أن تتحول إلى وكر جديد للإرهاب. وأمام هذا الوضع، رأى القادة الموريتانيون أن الحل الوحيد الذي يضمن لبلدهم الاستقرار هو أن يجعلوا البلاد تحت الحماية الغربية. وقد سارعت القيادة العسكرية مباشرة بعد استيلائها على السلطة إلى التأكيد أنها لن تغير طبيعة العلاقات التي أقامها النظام السابق مع إسرائيل. وهذه أضعف نقطة في المسار الموريتاني، لكن ما تأثيره لما تكون بلدان أخرى تقيم علاقات رسمية أو سرية مع إسرائيل؟

3.             العامل الثالث الذي يضمن مرحلة انتقالية ناجحة يتمثل في وجود نخبة سياسية ومعارضة إيجابية تستطيع أن تواكب الموقف وتمشي في نفس الاتجاه، دون المزايدات المجانية ولا الخطب العدمية. ويتمثل حظ موريتانيا في عدم وجود يحول تجاوزات المرحلة الانتقالية إلى حجة تفتح الباب أمام الجيش ليتسلط.

4.             العامل الرابع الذي ضمن نجاح التجربة الموريتانية يتمثل في مساندة الخارج، خاصة فرنسا وأمريكا. وقد أسرع السفير الأمريكي إلى مباركة الانتخابات الرئاسية في موريتانيا، كما أن التعاليق الفرنسية كانت كلها إيجابية.

ونشير في الأخير إلى ثلاث نقاط أساسية، أولها أن المبادرة بهذه المسيرة تأتي من السلطة، بل من قلب السلطة، المتمثلة في الجيش، حيث لا يمكن الشروع في أية مبادرة إذا عارضها الجيش، بل أن المبادرة تتحول إلى مغامرة وحرب أهلية.

و من جهة أخرى، فإن هذه الشروط التي تضمن نجاح المرحلة الانتقالية مربوطة ببعضها، ولا يمكن فصلها. ويكفي أن يغيب عنصر واحد لتفشل التجربة. فإذا غابت المصداقية عن المعارضة الداخلية، أو إذا قررت البلدان الكبرى أن تعارض مثل هذه التجربة، فلا يمكن أن تنجح.

وفي الأخير، يأتي سؤال طبيعي، يفرض نفسه: لماذا عجزت الجزائر أن تجمع هذه الشروط لنجاح المرحلة الانتخابية؟ بل لماذا عملت الجزائر على تحطيم هذه العوامل بصفة منتظمة؟ لماذا قضت على كل المشاريع السياسية وأصحابها، ومنعت المعارضة من أن تكتسب مصداقية لتكون طرفا في عملية التغيير؟ ولعل الجواب بسيط: لأن الجزائر لا تقبل برئيس يتم انتخابه بـ52 بالمائة من الأصوات فقط مثلما وقع في موريتانيا، بل تفضل أرقاما "سوفياتية" بين الثمانين والتسعين بالمائة.

Publicités
Article précédent
Poster un commentaire

Laisser un commentaire

Entrez vos coordonnées ci-dessous ou cliquez sur une icône pour vous connecter:

Logo WordPress.com

Vous commentez à l'aide de votre compte WordPress.com. Déconnexion /  Changer )

Photo Google+

Vous commentez à l'aide de votre compte Google+. Déconnexion /  Changer )

Image Twitter

Vous commentez à l'aide de votre compte Twitter. Déconnexion /  Changer )

Photo Facebook

Vous commentez à l'aide de votre compte Facebook. Déconnexion /  Changer )

Connexion à %s