البطاطا في بلاد سعد وجعبوب

عابد شارف

وأخيرا، جاء القرار
الثوري الذي ينقذ الاقتصاد الجزائري، ويعيد للمواطن كرامته، وللفقير عزته،
وللمستهلك قدرته الشرائية. إنه القرار الرشيد الذي لم يفكر فيه لا خبراء صندوق
النقد الدولي وعلماء الهند والصين، بل أنه قرار ينبع من إبداع جزائري، ومن
"تمخميخ" يفوق قدرة الجنرال تواتي وعبقرية بلعيد عبد السلام. وأخيرا
فإنه القرار الذي يصفق له المواطن البسيط وصاحب الدخل الضعيف، كما يعترف بجديته كل
حزب يتكفل بالفئات المحرومة.

هذا القرار الثوري هو
ذالك المتعلق بإلغاء كل الرسوم على البطاطا المستوردة ابتداء من 20 أوت وحتى
نوفمبر المقيل، وقد تم الإعلان عنه رسميا بعد أن اقترحته الحكومة على الرئيس عبد
العزيز بوتفليقة الذي أمضى أمرا رئاسيا لهذه الغاية. وحتى تؤكد الحكومة عزمها على
حماية المواطن المسكين، فإن العديد من أعضائها وموظفيها قالوا أنهم سيعملون بكل ما
يملكون من قوة وإبداع من أجل تكسير أسعار البطاطا في السوق الجزائرية…

ولا نعرف هل أن الحكومة
ستكتفي بهذا الحد، أم أنها ستذهب إلى أبعد من ذلك. والكل يعرف مثلا أن هناك أزمة
حادة في سوق الحليب، وأن الحكومة قررت أن تعطي المنتجين مساعدات مالية لتجنب
ارتفاع الأسعار. ثم إن هناك مواد أخرى تعرف توترا شديدا، مثل مواد البناء، والماء،
وغيرها. وإذا واصلت الحكومة في هذا المنهج، فإنها ستتوصل يوما ما إلى مساعدة كل من
يستهلك مادة ما حتى تبرهن عن حسن نيتها في مساعدة الجزائريين…

وقبل أن تلجأ الحكومة
إلى هذا القرار الثوري، فإنها قامت بحرب شرسة ضد أعداء الوطن الذين يريدون تجويع
الشعب الجزائري، ويتلاعبون بالسوق، ويكدسون البطاطا بكميات هائلة في غرف للتبريد
بهدف بيعها بأثمان عالية. وتم حجز كميات هائلة بلغت 200 قنطار بمدينة الرمشي في
ولاية تلمسان، في إطار حرب ضروس ضد المضاربين…

وفي نهاية المطاف، فقد
استطاعت الحكومة أن تبرهن عن فشلها التام، وعن عجزها الشامل، وتؤكد أنها غير قادرة
عن التفكير في أية إستراتيجية اقتصادية أو تنموية، بل أنها أصبحت تتصرف بطريقة
تؤدي حتما إلى تخريب الاقتصاد، حيث أنها إذا أرادت أن تعالج مشكلا فإنها تختار
حلولا تفرز عدة مشاكل، أي أنها تتعامل مع الداء بداء أخطر. ويتضح ذلك من خلال
النقاط الآتية:

  1. لقد صادقت
    الحكومة على قانون للمالية ثم على قانون مكمل للمالية، وهي النصوص التي تحدد
    مبلغ كل الضرائب. ولم تتطرق الحكومة إلى البطاطا لأنها لم تكن تنتظر أزمة في
    سوق هذه المادة، مما يؤكد عجزها على قراءة الحياة الاقتصادية.

  2. إن حل مشكل
    الأسعار بطريقة إلغاء الرسوم يؤدي مختلف المتعاملين إلى المطالبة بنفس الامتيازات،
    مما يؤدي بدوره إلى تحطيم فكرة الضرائب التي تبقى إحدى الركائز الأساسية
    للاقتصاد والتضامن الوطنيين.

  3. إن الجزائر بحاجة
    إلى توسيع شبكة الضرائب إلى كل القطاعات لا إلى إعفاء بعض المتعاملين منها.

  4. إن اللجوء إلى إلغاء
    الرسوم يعني تشجيعا للاستيراد وحربا ضد الإنتاج المحلي، كما أنه يشكل دعما
    مباشرا للمنتج الأوربي على حساب المنتج الجزائري.

  5. إن القرار الذي
    تم اتخاذه لإلغاء الرسوم يشمل البطاطا الموجهة للمستهلك لا تلك الموجهة
    للإنتاج. وبذلك فإن هذا القرار سيؤثر على الإنتاج سلبا، حيث أن أسعار البذور
    ستبقى مرتفعة، وأن الفلاحين سيترددون قبل زرع مساحات إضافية بسبب حرب الدولة
    ضدهم، مما سيؤدي إلى انخفاض في الإنتاج في الفصل المقبل، وبالتالي إلى ارتفاع
    في الأسعار في السنة القادمة. وستتواصل الحلقة إلى ما لا نهاية.

  6. إن القرارات التي
    اتخذتها الحكومة لن يكون لها أثر يذكر على الأسعار لأن سياسة الحكومة ستؤدي
    إلى ندرة البطاطا في السوق بصفة دائمة. إضافة إلى ذلك فإن كل الخبراء يعتبرون
    أنه من المستحيل استيراد نصف مليون طن من البطاطا و20 ألف طن من اللحوم في
    فترة قصيرة جدا.

  7. إن اللجوء إلى
    الاستيراد بهذه الطريقة سيؤدي حتما إلى ارتفاع الأسعار في السوق الدولية، مما
    سيؤدي إلى ارتفاع فاتورة الاستيراد من جهة، وإلى ارتفاع البطاطا المستوردة من
    جهة أخرى.

  8. أخيرا، فإن هذه
    الطريقة في مواجهة المشاكل تؤكد أن السلطة الجزائرية تكتفي بلعب دور رجال
    الإطفاء، لكنها لا تفكر أبدا في طريقة تسمح بدفع الاقتصاد الوطني ورفع
    الإنتاج. فهي تحاول الحد من آثار الكارثة لكنها عاجزة عن التنبؤ بها واتخاذ
    القرارت الضرورية لنتجنبها. وهذا شيء طبيعي في بلاد اختارت سعد وجعبوب لتسيير
    فلاحتها وتجارتها.

ع.ش

Publicités
Poster un commentaire

Laisser un commentaire

Entrez vos coordonnées ci-dessous ou cliquez sur une icône pour vous connecter:

Logo WordPress.com

Vous commentez à l'aide de votre compte WordPress.com. Déconnexion / Changer )

Image Twitter

Vous commentez à l'aide de votre compte Twitter. Déconnexion / Changer )

Photo Facebook

Vous commentez à l'aide de votre compte Facebook. Déconnexion / Changer )

Photo Google+

Vous commentez à l'aide de votre compte Google+. Déconnexion / Changer )

Connexion à %s