دخول سياسي بالقلوب

 عابد شارف

إنه موسم الدخول السياسي والاجتماعي. وقد جرت العادة في كل بلدان العالم أن أهل السياسة يختارون هذه المناسبة لتحديد التوجهات الكبرى لسياستهم خلال الأشهر القادمة بل إلى غاية الصيف القادم، حيث يضعون الأولويات لعملهم السياسي، ويحددون المحاور التي ستكون في أولوية نشاطهم. وأصبح الدخول السياسي تقليدا لا يمكن تجنبه إطلاقا، لأنه يحدد ملامح العمل في المستقبل، ويعطي المشاريع السياسية مضمونا، ويصنع التحديات الكبرى التي يختار أهل السياسة أن يواجهوها.

أما في الجزائر، فإن ما ميز الدخول السياسي يتعلق بنقطتين أساسيتين: سعر البطاطا والحالة الصحية للرئيس عبد العزيز بوتفليقة. وقد اختار الرئيس نفسه أن يظهر مرتين في التلفزيون في نفس اليوم ليضع حدا للإشاعات المتعلقة بصحته، بينما اختار رئيس الحكومة عبد العزيز بلخادم أن ينشط ندوة صحفية ليحاول تكذيب نفس الإشاعات، كما حاول أن يطمئن الجزائريين حول أسعار البطاطا…

لكن هذه الجهود المتتالية لم تؤد إلا إلى ثلاث نتائج. أولها التأكيد أن الحكومة عاجزة إطلاقا ونهائيا على التأثير على سعر البطاطا. وثاني نتيجة أن الشك دخل أذهان الجزائريين، وبصفة نهائية، حول الحالة الصحية لرئيس الجمهورية. وسيبقى هذا الموضوع يشكل النقطة الأساسية في الساحة السياسية للبلاد في الأشهر القادمة، إلى غاية مغادرة الرئيس عبد العزيز بوتفليقة رئاسة الجمهورية. ومن الواضح أن أصحاب القرار سينظمون كل نشاط البلاد في الأشهر القادمة بطريقة تسمح بتكذيب الإشاعات حول صحة رئيس الجمهورية، لكن الجزائريين سينظرون لكل مبادرة من السلطة من نفس الزاوية، فإذا ظهر رئيس الجمهورية سيقول المواطن أنه ظهر ليؤكد أنه لصحة جيدة، وإذا غاب عن العيون فإن المواطن سيقول أنه غاب لأنه مريض…

أما النتيجة الثالثة لما حصل في صيف 2007، وهي الأهم، فإنها تتعلق بموت النظام السياسي الحالي. إن هذا النظام قد مات وانتهى، وهي الحقيقة التي لا تريد الجزائر الرسمية الاعتراف بها. ففي نفس الوقت الذي كان رئيس الحكومة يؤكد أن عبد العزيز بوتفليقة حي معافى، كان في الحقيقة يؤكد أن النظام السياسي مات وانتهى، لأن المنتظر من أهل السلطة والسياسة هو أن يسطروا البرامج، ويفتحوا الآفاق، ويخططوا للمستقبل، ويعطوا مواعيد بالدخول في معارك كبرى والانتصار على الزمن، وليس المنتظر منهم أن يخوضوا معارك ضد الطاحونات ليؤكدوا أن دون كيشوت مازال حيا…

لكن بمناسبة الدخول السياسي، لم نسمع من رئيس الجمهورية ولا من رئيس الحكومة كلاما حول انتشار العلم في البلاد عشية الدخول المدرسي والجامعي، ولا عن التحكم في التكنولوجيا لمواجهة تحديات القرن، ولا عن إبداعات ثقافية وفنية وسياسية لخلق مجتمع جديد، ولا عن انتشار صناعي يعطي للاقتصاد الوطني طموحات جديدة. إن كلام أكبر مسئولي البلاد اقتصر على نقطتين، للتأكيد أن ما جاء حول صحة رئيس الجمهورية ليس إلا مجرد إشاعات، وأن الحكومة ستعمل على محاربة ارتفاع سعر البطاطا. ولا نعرف أن سياسة أو حضارة فرضت نفسها واستطاعت أن تنتشر وتغزو العالم إثر معركة طاحنة حول سعر البطاطا…

لذلك، فإن الخطاب السياسي الذي يسود اليوم يظهر على حقيقته. إنه بهتان وعبث، أو كما يقول العامة، "بول في الرمل". وتركيز كل جهود الحكومة لإقناع المواطن أن رئيس الجمهورية بصحة جيدة لا يتجاوز أن يكون عبثا، وتخصيص كل هذا الوقت لإقناع المواطن أن الحكومة تعمل جاهدة في حربها ضد ارتفاع سعر البطاطا عبث. وكلام زعيم النقابة حول ارتفاع الأجور عبث، لأن كل هذا الكلام يدور في حلقة مفرغة، تغلق كل الأبواب أمام البلاد، وتمنعها من الدخول في عالم جديد لائق بطموحاتها وبمكانتها بين شعوب العالم.

والمطلوب اليوم هو الاعتراف أن النظام السياسي مات وانتهى، وأنه لا يمكن معالجة مشاكل البلاد داخل هذا النظام إطلاقا. فالأولوية ليست للمناورات من أجل الحفاظ على منصب، ولا للخطب الفارغة حول مجهودات الحكومة وتوجيهات رئيس الجمهورية، إنما الأولوية اليوم هي أن نفهم ما المرحلة التاريخية التي تمر بها البلاد، والاعتراف أن الجزائر أنهت مرحلة من تاريخها، ومن المطلوب أن تدخل مرحلة أخرى، بأفكارها وطموحاتها وتحدياتها وأهلها. فهل وصل الوعي لأهل السلطة من أجل فتح هذا الباب الجديد؟

ع.ش

Publicités
Article suivant
Poster un commentaire

Laisser un commentaire

Entrez vos coordonnées ci-dessous ou cliquez sur une icône pour vous connecter:

Logo WordPress.com

Vous commentez à l'aide de votre compte WordPress.com. Déconnexion / Changer )

Image Twitter

Vous commentez à l'aide de votre compte Twitter. Déconnexion / Changer )

Photo Facebook

Vous commentez à l'aide de votre compte Facebook. Déconnexion / Changer )

Photo Google+

Vous commentez à l'aide de votre compte Google+. Déconnexion / Changer )

Connexion à %s