نهاية التعامل مع النظام

عابد شارف

 

دخلت الجزائر عهدا
جديدا مع بداية هذا الشهر. فالجزائر أنهت فترة كانت تنتظر من السلطة أن تأخذ
مبادرات جديدة للخروج من الأزمة، أو تتراجع تلك السلطة عن تصرفاتها لتبحث عن طريق
جديد لتسيير شؤون البلاد. إن هذه الفترة انتهت، وبدأت فترة جديدة تفرض على المجتمع
الجزائري أن يبحث عن حلول جديدة بعد أن تبخرت كل الآمال والأوهام التي كانت السلطة
تربيها في أوساط جزء من المجتمع الجزائري.

وفرض هذا الواقع الجديد
نفسه بعد العمليات الإرهابية التي عاشتها مدينتا باتنة ودلس. وقد أثارت هذه
التفجيرات هزة بسيكولوجية لم تعرف البلاد مثيلا لها منذ مدة طويلة، حيث سقطت معها
الأكاذيب والسيناريوهات التي والأوهام التي تدعي أن السلطة قد تكون تتحكم في أوضاع
البلاد أو أنها تمتلك مخططات سرية أو مشاريع كبرى ستقوم بإنجازها في السنوات
القادمة. غير أن الواقع أثبت أن السلطة تصرفت بطريقة أدت إلى تراكم الفشل، و يمكن
أن نذكر ما يلي:

1.    فشل الخيار
الأمني: في المجال الأمني، ورغم كل ما قدمته السلطة من تنازلات للمجموعات المسلحة،
إلا أن ما حدث في باتنة ودلس أكد أن العنف الإرهابي مازال متواصلا. وإذا كانت
الإجراءات الأمنية ضرورية للحفاظ على الاستقرار، وهو العامل الأساسي لبناء البلاد،
فإن التدابير الأمنية لا تشكل إلا جانبا من مشروع متكامل بجوانبه السياسية
والاقتصادية والاجتماعية و غيرها. لكن النظام الجزائري جعل من الخطة الأمنية
العمود الفقري لسياسيته، وتناسى كل الجوانب الأخرى، مما أدى إلى الفشل.

2.    فشل
المصالحة الوطنية: أما المصالحة الوطنية، فرغم تراجع العنف إلا أنها لم تؤد إلى
مصالحة في أوساط المجتمع. والأغرب من ذلك أنها أدت إلى شبه مصالحة بيم جزء من الذين
رفعوا السلاح ضد الدولة ومن كان مكلفا بمحاربتهم، لكن الذين رفض العنف من اليوم
الأول سواء كانوا تنظيمات سياسية أو شخصيات أو مواطنين وجدوا أنفسهم خارج مجال
المصالحة.

3.    الفشل في
تسيير البلاد: في هذا الجانب، لا مجال للتحاليل الطويلة، لأن الفشل واضح. ولم
تتمكن السلطة، رغم ما اكتنزت من أموال، أن تعالج مشاكل بدائية مثل التموين بالحليب
والبطاطا. وأكثر من ذلك، فإن الحياة الوطنية تحولت إلى مزيج من العنف والمآسي
والفضائح.

4.    فشل
المؤسسات: رغم تركيز الكثير على التهديد الذي يحيط المؤسسات، فإن السلطة تعاملت مع
الوضع وكأنها لا تبالي بهذه القضية، إلى أن قضت على مصداقية كل المؤسسات. فبعد
القضاء على البرلمان والحكومة والقضاء، مازال الزحف متواصلا، وراحت ضحيتها رئاسة
الجمهورية نفسها بعد أن نشرت مشروع أمر رئاسي يكون قد اتخذ خلال اجتماع وهمي لمجلس
الوزراء. ونشرت الجريدة الرسمية نفسها قرارا كاذبا، وأصبحت الدولة تكذب على نفسها
وعلى المواطنين.

5.    ولعل أخطر
ما توصلت إليه السلطة هو القضاء على الأمل. وقد يستحيل العثور على جزائريين يؤمنون
أن هناك أمل لإعادة بناء البلاد مع السلطة الحالية. ويتجسد هذا اليأس بصفة يومية
في ظاهرة "الحراقة" مثلا، وانتشار العنف والإجرام، وعدم الثقة في العمل
السياسي والجماعي.

وفي مثل هذا الوضع، جاءت عمليات باتة ودلس لتؤكد أن سياسة السلطة الحالية
ليست قادرة حتى أن تحمي أول رمز للدولة، وهو رئيسها، ولا أن تحمي أعز المدافعين عن
الدولة وعن السيادة الوطنية، وهم أعضاء الجيش. ومن فشل في هذا الميدان لا يمكن أن
ينجح في ميادين أخرى.

هذا التراكم في الفشل يؤدي في نهاية المطاف إلى قبول فكرة بسيطة، وهي أن
النظام أدى بالبلاد إلى مأزق، وأنه عاجز نهائيا أن يخرجها من الطريق المسدود. ومن
هنا يتضح أن المخرج الذي يبقى للجزائريين هو أن يبحثوا عن سبل جديدة خارج النظام
وخارج السلطة، مع الأخذ بعين الاعتبار أن النظام مازال يمتلك قدرة على الإساءة
للمبادرات التي يمكن اتخاذها هنا وهناك، لكن قدرته هذه تراجعت كثيرا لأنه لن
يستطيع أن يسير إلى الأبد ضد مجرى التاريخ.

 

Publicités
Poster un commentaire

Laisser un commentaire

Entrez vos coordonnées ci-dessous ou cliquez sur une icône pour vous connecter:

Logo WordPress.com

Vous commentez à l'aide de votre compte WordPress.com. Déconnexion / Changer )

Image Twitter

Vous commentez à l'aide de votre compte Twitter. Déconnexion / Changer )

Photo Facebook

Vous commentez à l'aide de votre compte Facebook. Déconnexion / Changer )

Photo Google+

Vous commentez à l'aide de votre compte Google+. Déconnexion / Changer )

Connexion à %s