زرهوني يخطئ فيصيب

ما الذي أصاب يزيد زرهوني ليتخذ قرارا بهذه الجرأة؟ هل تغير الرجل من عشية لضحاها، إلى درجة أنه بدأ يفكر بطريقة جديدة مخالفة تماما لما كان معروف عنه إلى اليوم؟ هل أصبح يؤمن بالانتخابات كطريقة لبناء الدولة والمؤسسات؟ أم أن هذا مجرد ظن، مع العلم أن بعض الظن إثم ؟

وحتى تكون الصورة واضحة، يجب بداية أن نتكلم عن يزيد زرهوني الأول، ذلك الرجل الذي رافق عبد العزيز بوتفليقة منذ ثماني سنوات. إنه رجل البيروقراطية المتسلطة، الذي يعتبر أن الانتخابات من سلطة الإدارة واختصاص المخابرات، وأن صناديق الاقتراع تشكل قنابل مفخخة يجب التحكم فيها. إنه رجل ينتمي إلى تيار فكري معروف، يعتبر أن الدولة فوق كل شيء، إلا هو، حتى إذا أصبحت تلك الدولة أداة لقهر المجتمع. وفي كل الأحوال، فإن دعاة هذا الفكر ينظرون إلى المجتمع وكأنه جامد إلى الأبد، ويتعاملون معه بجمودهم، إلى أن ينفجر الوضع أمامهم من كل جهة.

هذا الفكر يصنع انتخابات من نوع خاص، انتخابات لا يشارك فيها المواطن، وليس له الحق أن يصنع القرار من خلالها. إنها الانتخابات التي يتم الحسم فيها يوم تصنع القوائم، مع العلم أن تلك القوائم جاءت من صنع شركة أسهم تتقاسمها الحصص فيها أجهزة الأمن والمخابرات والإدارة. وقال لنا نائب سابق في البرلمان أنها اعتاد أن يتفاوض مع أجهزة الأمن في الماضي حول قائمة المرشحين، لكن ما حدث هذه السنة تجاوز كل ما كان معهودا، حيث أنه "أصبح على الأحزاب أن تقدم طلبا لأجهزة الأمن حتى يسمح لها باقتراح هذا المرشح أو ذاك".

هذا عالم يزيد زرهوني المعتاد. ورغم كل هذا، جاء وزير الداخلية بقرار جديد. فقد أعلن أنه يرفض تمويل "لجنة مستقلة" لمراقبة الانتخابات، مثلما جرت العادة منذ أكثر من عشر سنوات. ورغم أن قرارا وحيدا لا يصنع سياسية، وأن نوايا يزيد زرهوني قد تكون معاكسة تماما لما أعلن عنه، إلا أن هذا القرار وحده يشكل معجزة في الوقت الحالي، لأنه يخالف منطق تحطيم المؤسسات وتحطيم والدولة السائد لحد الآن.

ويجب أن نذكر أنه منذ إنشاء أول لجنة "مستقلة" في عهد اليمين زروال، أصبحت هذه اللجان أداة لتوزيع رشوة رسمية. وقد وجد فيها المرشحون وسيلة لشراء من يراقب مكاتب التصويت في غياب المناضلين. وأصبح وجود اللجان تقليدا معمولا به، وكأن كل الأطراف قد اقتنعت أن الإدارة لا تستطيع أن تكون محايدة، وأن العدالة عاجزة عن الفصل في النزاعات بطريقة مستقلة. وأصبح وجود تلك اللجان لوحده يعني عدم الاعتراف بالمؤسسات الأخرى.

وانتشرت الرشوة والأموال حول تلك اللجان، حيث تتم مفاوضات حقيقية حول اقتسام الغنيمة. واستعملت الأحزاب هذه الطريقة لبيع قوائمها، وتتابعنا أخبار رئيس حزب تحول إلى خبير في الرياضيات، يعرف عدد البلديات والمكاتب الانتخابية في كل الولايات، ويعرف المبلغ الذي يتم دفعه لكل أعضاء اللجان، فيطلب من صاحب القائمة نصف المبلغ مقابل تبني قائمته…

وقال خصوم زرهوني أن قراره برفض تمويل اللجان الانتخابية جاء بطريقة منعزلة، ولا يكفي لصنع سياسة، وأنه من الضروري دخول الانتخابات بطريقة أخرى، مع فتح المجال السياسي، ومساعدة الأحزاب لتنتج فكرا سياسيا عاليا، وتدفع إلى بروز نخبة جديدة ذات مصداقية. وقالوا أن زرهوني ربما يهدف إلى فتح المجال لتغيير نتائج الانتخابات إذا أعطى الصندوق أرقاما غير لائقة، حيث أن الأحزاب عاجزة عن تمويل العملية الانتخابية، ورفض زرهوني تمويل اللجان الانتخابية يمنع المرشحين من إمكانية لمتابعة الانتخابات بصفة جيدة. وبذلك يكون زرهوني يقصد هدفا فأصاب هدفا آخر، وهي الظاهرة التي يقول عنها يسميه الطاهر بن عائشة أنها "رمية من غير رامي".

وهذا الكلام صحيح، جزئيا أو كليا. لكن رغم كل ذلك، فلا بد من الإشارة إلى قرار يبدو سليما. ففي بلد غابت فيه الجدية والعقلانية، نكتفي بقرار إيجابي واحد في السنة يؤكد لنا أن الجزائر لم تنته، وأن أهل السلطة المتسلطة أنفسهم قادرون على اتخاذ قرارات سليمة مرة في السنة. ةبقي علينا أن ننتظر السنة القادمة لنجد قرارا آخر سليما…

ع.ش

Article précédent
Poster un commentaire

Votre commentaire

Entrez vos coordonnées ci-dessous ou cliquez sur une icône pour vous connecter:

Logo WordPress.com

Vous commentez à l’aide de votre compte WordPress.com. Déconnexion /  Changer )

Photo Google

Vous commentez à l’aide de votre compte Google. Déconnexion /  Changer )

Image Twitter

Vous commentez à l’aide de votre compte Twitter. Déconnexion /  Changer )

Photo Facebook

Vous commentez à l’aide de votre compte Facebook. Déconnexion /  Changer )

Connexion à %s