البنك العالمي يعجز في الجزائر

عابد شارف

 

أكد البنك العالمي في تقرير نشره في 14 نوفمبر الماضي عيوب الاقتصاد الجزائري جملة وتفصيلا. ورغم العبارات الموزونة والكلام الدبلوماسي، فإن التقرير يعيد تذكير نفس النقائص التي يتكلم عنها الأخصائيون منذ عهد طويل، مثل التبذير واستعمال الأموال في غير محلها وبطريقة غير منتظمة، مما يؤدي إلى الفساد والرشوة والكساد الاقتصادي رغم الأموال الطائلة التي يتم لإنفاقها.

وقال خبير جزائري بداية الشهر أن الواردات الجزائرية ستبلغ 27 مليار دولار خلال السنة الجارية، بعد أن جاوزت 21 مليار سنة 2006. وإذا تواصل ارتفاع الواردات على نفس الوتيرة، فإنها ستتجاوز 30 مليار دولار السنة القادمة، مما يعني حصة ألف دولار لكل جزائري. وقال نفس الخبير هذا الحجم للاستيراد كان من المفروض أن يضمن نموا اقتصاديا يفوق عشرة بالمائة سنويا، لكن الواقع يؤكد أن النمو لن يتجاوز خمسة بالمائة.

ويوضح هذا التحليل أن اكتساب أموال كثيرة لا يعني أن البلد غني، أو أن أهله يعيشون في ترف، ولا أنهم يستثمرون ليضمنوا مستقبل أبنائهم. عكس ذلك، فإن كثرة الأموال أدت إلى ارتفاع كل الظواهر السلبية، مثلما يشير إليه تقرير البنك العالمي. ومن المفروض أن ينظر حكام البلاد إلى الفارق الشاسع بين حجم الأموال التي يتم إنفاقها مع ضعف النتائج التي تحصل عليها للبلاد ليعيدوا النظر في تصرفهم وطريقة استعمال الأموال. لكن البلاد حطمت المؤسسات التي يجب أن تدق ناقوس الخطر في مثل هذه الحالة، وقضت على كل الهياكل المستقلة التي من الممكن أن تدرس مثل هذه الانزلاقات وتقترح بديلا في طريقة التسيير، كما حققت معجزة أخرى تتمثل في تضييع الخبرة التي تراكمت في البلاد منذ عهد طويل. ولم يبق في البلاد إلى بيروقراطية تصنع الأرقام وتزوقها وتتحايل بها لإرضاء السلطان.

وبما أن الهياكل والمؤسسات الجزائرية أصبحت عاجزة عن تحديد الخلل في طريقة تسيير اقتصاد البلاد، فلم تبق إلا المؤسسات الدولية للقيام لهذا الدور الأساسي، ومن ضمنها البنك العالمي. وأشار البنك فعلا في تقريره إلى أنه من الضروري إصلاح النظام الوطني للاستثمار، وأن "المشاريع الكبرى تتطلب هيئات خاصة ذات خبرة كبيرة لمتابعتها". ويعني هذا الكلام صراحة أن نظام الاستثمار الحالي أصبح باليا لا ينفع، وأن الهيئات الجزائرية التي تتابع الاستثمار عاجزة ولا تملك الخبرة الضرورية.

ويشير التقرير إلى أن إصلاح الميزانية يتم بوتيرة "بطيئة جدا"، وأن "مستوى التأهيل لدى المكلفين بتطبيق المشاريع ضعيف جدا". وبكلام غير دبلوماسي، فإن إصلاح الميزانية مازال في النقطة الصفر، والمكلفين بالمشاريع لا يكسبون التأهيل لذلك وهو عاجزون عن القيام بمهمتهم. ويزيد الوضع خطورة لما يشير التقرير إلى أن المشاريع لا تخضع للمقاييس التقنية المعمول بها، ولا تعرف متابعة، مما يدفع خبراء البنك العالمي إلى هذه الخلاصة القاسية: يجب صراحة التخلي عن بعض المشاريع رغم الشروع في إنجازها لأنه لا يمكن إنجازها، ولن تنفع، وستؤدي إلى مصاريف لا متناهية دون فائدة.

وبناء على هذا التحليل، لا بد من التساؤل: ما مصير الأموال التي تصرف، خاصة وأن التقرير يشير إلى عدم نجاعة الاستثمارات العمومية؟ ما مصير الـ150 مليار دولار التي أرادها بوتفليقة ميزانية للاستثمارات خلال عهدته الثانية؟ من الواضح أن أكبر ميزانية هي تلك المخصصة للتبذير. مما يدفع البنك العالمي إلى اقتراح سلسلة من التدابير، منها التحكم في المصاريف، والتعامل مع المشاريع بطريقة عقلانية، والأخذ بعين الاعتبار لقدرة البلاد في التحكم في الإنجاز، وغيرها من التوجيهات التقليدية التي يوصي بها البنك العالمي.

لكن توصيات البنك العالمي لن تؤد إلى نتيجة تذكر، لا لأنها غير جدية أو لأن أصحابها أخطئوا، لكن لأن خبراء البنك لا يأخذون بعين الاعتبار عاملا جديدا اخترعته الجزائر: إن نظام تسيير الاقتصاد الجزائري أصبح عاجزا عن أية مبادرة لتغيير الوضع. ولو كان قادرا على مراجعة الأخطاء لما ارتكب تبك الكبائر المتمثلة في مشاريع تصرف فيها أموال لا تحصى قبل أن يدرك أنها غير مجدية. إنه نظام يكتفي بتسجيل المشاريع وإبرام العقود و دفع المصاريف، لكنه لا يعرف كيف يدرس المشاريع ولا كيف يتحقق من جديتها ومنفعتها، ولا كيف يقوم بتقييمها، ثم كيف يراقب إنجازها ويتابع الأعمال ويكافئ المشروع الناجح ويعاقب على المشروع الفاشل. إنه نظام تسيير أصبح يكتفي بالإعلان عن المشاريع، وقيمتها المالية التي تتجاوز قيمتها الحقيقية بكثير، ثم يعيد تقييمها مرتين أو ثلاث، قبل أن يدرك أنها كلفت البلاد أموالا باهظة وأنها لن تقدم المنفعة التي كانت منتظرة منها.

ويكفي أن نذكر الطريق السريع لنتأكد من ذلك. فحسب المعلومات المتوفرة لحد الآن، يتضح أن الكيلومتر الواحد من الطريق السريع في الجزائر سيعرف تكلفة تفوق ثلاث مرات تكلفة الكيلومتر في ليبيا، وأن الكيلومتر من الطريق السريع في الجزائر يعادل الكيلومتر من السكة الحديدية للقطار ذي السرعة العالية TGV في المغرب، مع العلم أنه لا مجال للمقارنة بين هذا وذاك…

ويؤدي هذا الوضع بدوره إلى سؤال آخر لا يمكن للبنك العالمي أن يتطرق إليه: كيف العمل لإقامة نظام لتسيير البلاد يسمح باستعمال الدينار في محله، واستثمار الدولار في مكانه لتكون له منفعة حقيقية للبلاد وللمجتمع؟ هذا سؤال سياسي، ويتطلب جوابا سياسيا خارج عن نطاق البنك العالمي.

ع.ش

Publicités
Poster un commentaire

Laisser un commentaire

Entrez vos coordonnées ci-dessous ou cliquez sur une icône pour vous connecter:

Logo WordPress.com

Vous commentez à l'aide de votre compte WordPress.com. Déconnexion / Changer )

Image Twitter

Vous commentez à l'aide de votre compte Twitter. Déconnexion / Changer )

Photo Facebook

Vous commentez à l'aide de votre compte Facebook. Déconnexion / Changer )

Photo Google+

Vous commentez à l'aide de votre compte Google+. Déconnexion / Changer )

Connexion à %s