الجمود يحمي الجزائر

عابد شارف

تتشرف الجزائر باستقبال الرئيس الفرنسي نيكولا صاركوزي مباشرة بعد الانتخابات المحلية، وذلك أسبوع فقط بعد تراجع وزارة المالية عن تقديم القرض الشعبي الجزائري كهدية لإحدى أكبر البنوك الفرنسية. ويلتقي بالمناسبة طرفان، أحدهما يعرف ما يريد، ويعرف كيف يجند طاقاته للوصول إلى أهدافه، والثاني يدور في حلقة مفرغة، لا يستطيع أن يحدد أهدافه ولا الوسائل التي تسمح له بتحقيقها.

ويمكن أن نقول الكثير عن نيكولا صاركوزي. يمكن أن نقول أنه يميني متعصب، متشدد مع الجالية الجزائرية في فرنسا، وأن أباه كان مرتزقا في الجزائر، وأن الرئيس الفرنسي ينتمي إلى تيار يميني يمجد الاستعمار، وأنه متعصب لإسرائيل، وأنه الخادم الوفي للرئيس الأمريكي جورج بوش في أوربا. ويمكن أن نضيف الكثير، لكن مهما نقول، فإن صاركوزي يتميز بخصلة كبرى: إنه يعلن انتماءه وميوله وأهدافه، وخياراته معروفة، والنتماؤه الإيديولوجي واضح، وهو يدافع عن مصالح معلنة، وسيأتي إلى الجزائر لخدمتها، كما أنه مستعد لاستعمال كل الوسائل التي يسمح بها منصبه لتحقيقها.

وفي المقابل، تبقى الجزائر تبحث عن أهداف سياسية في الداخل وفي الخارج. فهي لا تعرف ما العمل مع القرض الشعبي الجزائري، هل يجب بيعه أم لا. ووضعت الجزائر نفسها في موقع دفاعي في هذه القضية، وأصبح مسئولوها يسألون (بضم الياء) عن أسباب قراراهم، وهم مضطرون على استعمال حجة ضعيفة لتبرير موقف لم يفرضه عليهم أحد، حيث وضعوا أنفسهم في الفخ بأيديهم. قلا أحد فرض على الجزائر أن تبيع القرض الشعبي الجزائري، بل أنه كان من المنتظر أن تحاول الجزائر أن تشتري جزء من أكبر البنوك الفرنسية التي رشحت نفسها لشراء القرض الشعبي الجزائري… ويشير كل الخبراء المستقلين أن الجزائر تكسب من الأموال ما يكفيها، ولن يتغير شيء إذا باعت بنكا لأنها لن تعرف ما العمل بمداخيل العملية، وهي التي عجزت عن استعمال مداخيل النفط. بل ويضيف بعض الخبراء أن أبو ضبي اشترت بفضل إحدى مؤسساتها المالية أسهما في شركة "صوني" Sony" وفي أكبر بنك أمريكي، "سيتي بانك"  City Bank، ولا شيء يمنع الجزائر من تأسيس مؤسسات مالية تقوم بنفس العمل في الأسواق العالمية، لكن البلاد ضيعت كل قدرة على مثل هذه المبادرات.

ولا تعرف الجزائر ما العمل في الإطار المغاربي ولا في البحر المتوسط، فإنها ضيعت المبادرة منذ زمن طويل، وهي تكتفي بالموافقة على مبادرات الآخرين مثل ما وقع مع مسار برشلونة، أو رفض مبادرات أخرى، أو "النوم في الخط" إذا وجدت نفسها أمام عملية معقدة لا تعرف كيف التعامل معها، مثلما هو الحال لمبادرة صاركوزي المتعلقة باتحاد المتوسط.

وإضافة إلى هذه العوائق، سيتقابل الرئيس عبد العزيز بوتفليقة مع نظيره الفرنسي من موقع ضعف في الداخل، بسبب انهيار المؤسسات التي أصبحت عاجزة عن تحضير الملفات والقرارات. ويزيد من ضعف موقف رئيس الجمهورية أن قدرته على التحكم في الأمور تراجعت إلى درجة كبيرة، وأن الفارق بين المواطنين والمؤسسات بلغ ذروته، كما ستؤكده الانتخابات المحلية.

ومن جهة أخرى، سيكون الرئيس بوتفليقة في موقع ضعف بسبب مرضه، خاصة وأن علاجه تم في فرنسا، وأن صاركوزي وحاشيته يعرفون تفاصيل حالة بوتفليقة، في وقت لا يعرف الوزراء الجزائريون الحقيقة. ولا يمكن أن ننكر أن الحالة الصحية لرئيس الجمهورية تؤثر بقوة على سياسة البلاد، مما يجعل الغموض يسود بصفة شاملة حول مستقبل الجزائر، حيث أن لا أحد يعرف هل أن الجزائر ستتوجه إلى تغيير الدستور أم لا، وهل أن عبد العزيز بوتفليقة سيترشح لعهدة ثالثة، مع العلم أن طبيعة النظام الجزائري تجعل كل شيء متعلق بقرار الرئيس، فهو الآمر والناهي، وهو الذي أراد معاهدة صداقة مع فرنسا ثم تراجع عنها، وهو الذي أصدر أمرا متعلقا بقانون المحروقات ثم ألغاه…

ماذا يمكن أن يسفر عنه لقاء يجري في مثل هذه الظروف؟ يبدو للوهلة الأولى أن نيكولا صاكوزي يكسب أحسن الأوراق لفرض موقفه، خاصة وأنه أصبح أقوى من بوتفليقة في القدرة على الكلام، وأنه أصبح متخصصا في صنع الأحداث. ألم يخرج من زيارته إلى الصين بعقود تفوق 20 مليار دولار؟

ولم يبق للجزائر إلا أن تضع آمالها في قدرة النظام على الجمود لرفض طلبات صاركوزي وعدم تقديم تنازلات بدون مقابل. وتأكد هذا الميول من خلال القرار الذي تم الإعلان عنه بإعادة النظر في بيع القرض الشعبي الجزائري، كما تأكد من خلال التصريحات التي تتهم صاركووزي أنه رمز الاستعمار والصهيونية. إنه قرارات ومواقف تعرف الجزائر كيف تستعملها عادة، لكن الجمود لا يصنع سياسة و"لا يبني خيام".

ع.ش

Publicités
Poster un commentaire

Laisser un commentaire

Entrez vos coordonnées ci-dessous ou cliquez sur une icône pour vous connecter:

Logo WordPress.com

Vous commentez à l'aide de votre compte WordPress.com. Déconnexion / Changer )

Image Twitter

Vous commentez à l'aide de votre compte Twitter. Déconnexion / Changer )

Photo Facebook

Vous commentez à l'aide de votre compte Facebook. Déconnexion / Changer )

Photo Google+

Vous commentez à l'aide de votre compte Google+. Déconnexion / Changer )

Connexion à %s