لا توجد منظمات جماهيرية في البرازيل

 عابد شارف

قبل عشر سنوات، كانت البرازيل دولة تتميز بثلاث ظواهر كبرى: كانت دولة متخلفة، سلطة متسلطة، وغابت فيها العدالة الاجتماعية إلى أقصى الحدود. وكان الفقراء يشكلون أول فئة اجتماعية في البلاد، وانتشرت الأحياء القصديرية في حواشي المدن الكبرى حتى كادت تبتلعها، كما انتشرت هجرة الفقراء واستيلائهم على الأراضي بصفة غير قانونية، وانتشرت الجريمة إلى أن أصبحت أول ظاهرة تهدد أمن البلاد.

واستفحلت الأزمة إلى أن أصبح التعايش بين أهل الثروة من جهة، والجريمة من جهة ثانية، والفقر الذي يغذي الجريمة من جهة ثالثة، أصبح هذا التعايش مستحيلا. ولم يكن بقدرة الأحزاب التقليدية، حتى منها تلك الأحزاب التي تتبنى فكرا يساريا معتدلا، لم يكن بقدرتها أن تعيد تنظيم الاقتصاد والعلاقات الاجتماعية بما يسمح للبرازيل أن تتجنب انفجارا جديدا، مما يهدد التجربة الديمقراطية ويعيد البلاد إلى عهد كانت البرازيل تريد أن تنساه.

وجاءت الفرصة مع ترشح أحد أبرز ممثلي العمال لرئاسية الجمهورية، وفاز بالانتخابات لا لأنه كان يتميز بشعبية كبيرة جدا فحسب، بل لأن أصحاب الحل والربط، أولائك الذين يتحكمون في المال والقوات المسلحة، فهموا أنهم لا يستطيعون أن يواصلوا تسيير عملاق مثل البرازيل بطريقة قديمة بالية. واقتنعت تلك النخبة التي تكسب المال والسلاح أنها من الضروري إعادة ترتيب البيت بصفة جذرية، لإقامة توازنات جديدة، تسمح للفئات الضعيفة أن تخرج بشكل جماعي من الفقر، ليصبح ممكنا لهذا البلد أن يكون له ذكر في ميادين أخرى غير كرة القدم.

وأدرك الرئيس "لولا" بدوره أنه لا يستطيع أن يرضي العمال والفقراء الذي وضعوه في السلطة من عشية إلى ضحاها، فشرع في إصلاحات كبرى لم تعط نتائجها إلا بعد سنوات. وكان يعرف جيدا أن الشركات البرازيلية الكبرى كانت هي نفسها بحاجة إلى ظهور طبقة واسعة من المستهلكين حتى تبيع إنتاجها، ولا يمكن أن تبرز هذه الطبقات الجديدة إلا بحصول الفقراء والضعفاء على دخل مقبول. واختارت كل الأطراف أن تحترم اللعبة، وأدرك أهل الثروة أنهم سيربحون أكثر على المدى الطويل إذا ساعدوا الفقراء على الخروج من الفقر، وأنه من الأفضل لهم أن يسمحوا للرئيس الجديد أن ينجح في مشاريعه لتجنب التوتر الاجتماعي وانفجار الشارع.

وخلال عهدة رئاسية، استطاع الرئيس البرازيلي أن يعيد بناء التوازنات الكبرى لبلاده بما يسمح له من دخول عهد جديد، حيث لم يكتف بالخروج من مشاكل الماضي، بل تجاوز ذلك ليجعل من البرازيل أحد البلدان التي سيكون لها وزن في العالم في القرن الجديد. ورغم أنه لم يدخل منتصف عهدته الثانية، فإن البرازيل أصبح من البلدان التي تعرف نموا اقتصاديا يشبه نمو الصين والهند، كما أصبح يفكر في دخول المحافل الكبرى حيث يطمح إلى العضوية بصفة دائمة قي مجلس الأمن. ويعترف كل المحللين أن البرازيل أصبح يؤثر في الاقتصاد العالمي أكثر مما يتأثر به، كما أنه فتح بابا للقضاء على الفقر في آجال معقولة.

هذا التغيير الشامل أصبح ممكنا في البرازيل لأن الفئات الاجتماعية الكبرى اختارت طريقا جديدا للخروج من الأزمة. وقد جرب البرازيل في الماضي طرقا مختلفة مثل الدكتاتورية العسكرية والأنظمة البوليسية ثم الأحزاب التقليدية المنكمشة على نفسها ولو أنها تدعي فكرا ديمقراطيا اجتماعيا. وأدت تلك التجارب كلها إلى نفس الانسداد، قبل أن يتم التفكير في مخرج جديد، بآليات جديدة، وميكانيزمات جديدة، للبحث عن حلول جديدة. وجاءت هذه لأن القوى الاجتماعية الكبرى في البلاد اختارت أن تقدم التنازلات الضرورية للمحافظة على الاستقرار في الأمد القريب، والمحافظة على مصالحها في الأمد البعيد، حيث أن أصحاب الثروة مثلا أدركوا أن أموالهم لن تنفعهم أمام خطر انفجار اجتماعي وانتشار الجريمة التي أصبحت تهدد عائلاتهم وذويهم.

وقبل أن يدخل البرازيل هذه المرحلة الجديدة التي سمحت له أن يصبح دولة عظمى تتحاور في موقع متساوي مع أكبر البلدان الأوربية، حقق إنجازا آخر يشكل شرطا أساسيا لنجاح مشروعه، ويتمثل هذا النجاح في الخروج من تقاليده السياسية الماضية ليفكر في أساليب جديدة في ممارسة السلطة. وبعبارة أخرى، اختار البرازيل أن يتجنب الحلول التي أدت به في الماضي إلى طريق مسدود، ليبحث لنفسه عن طريق جديد لا توجد فيه منظمات جماهيرية تجتهد في فن الولاء، ولا أحزاب تتبنى برنامج فخامته وتنسى برامجها إن كانت لها برامج، ولا رجال أعمال يطالبون بإلغاء الرسوم، ولا حكومة عجزت عن حل أزمة البطاطا وغرقت في كأس من الحليب.

هذا عن البرازيل… أما عن الجزائر، فإنها بلد مختلف ومختلف. إنها بلد ينظر إلى العالم كيف يتحرك لكنه يرفض أن يتحرك… إنها بلد متمسك بثوابته ومواقفه الثابتة… مواقف وخيارات أكدت في الماضي أنها تؤدي إلى الفشل والطريق المسدود، وهي اليوم مستعدة لحملة جماهيرية كبرى من أجل تكريس الأزمة من خلال عهدة ثالثة.

ع.ش

Publicités
Article précédent
Poster un commentaire

Laisser un commentaire

Entrez vos coordonnées ci-dessous ou cliquez sur une icône pour vous connecter:

Logo WordPress.com

Vous commentez à l'aide de votre compte WordPress.com. Déconnexion / Changer )

Image Twitter

Vous commentez à l'aide de votre compte Twitter. Déconnexion / Changer )

Photo Facebook

Vous commentez à l'aide de votre compte Facebook. Déconnexion / Changer )

Photo Google+

Vous commentez à l'aide de votre compte Google+. Déconnexion / Changer )

Connexion à %s