معركة شريفة في حظيرة القالة

لم يحترموا حريات المواطن ولا حقوقه. لكن ذلك لم يكفيهم. فبعد أن قضوا على هذا الجانب في مسيرتهم لانتهاك القانون، جالوا في البلاد يبحثون عن ضحايا جديدة. فقضوا على الاقتصاد والمدرسة، لكن ذلك لم يكفيهم، فاجتهدوا إلى أن وجدوا ضحية لا تحمل سلاحا، فقرروا في نهاية الأمر أن يقضوا على الطبيعة، وتراث البلاد، ولا يهمهم إن كذلك مخالفا للقانون الذي وضعوه ولالتزاماتهم الدولية ولا لالتزاماتهم الأخلاقية والسياسية التي تفرض على الحاكم أن يحافظ على الصالح العام.

هذا ما يمكن أن نقوله عن السلطات الجزائرية التي أمرت مؤسسة يابانية أن تشرع في إنجاز الطريق السريع شرق غرب عبر الحظيرة الوطنية المحيطة بمدينة القالة في الشرق الجزائري. وقد دخلت الآلات منذ أيام لشق هذا الإنجاز الحضاري العظيم الذي يشرف عليه السيد عمار غول تحت الرعاية السامية للسيد رئيس الجمهورية.

ولعله من الضروري أن نذكر ببعض الحقائق البسيطة. وأولها أنه تم تأسيس حظيرة القالة منذ عشرين سنة، في إطار قانوني وضعته الدولة الجزائرية للحفاظ على هذا الموقع الفريد من نوعه الذي يأوي كائنات حية ونباتية فريدة من نوعها. ويسمح هذا القرار القانوني بالحصول على مساعدات أممية لتمويل الحظيرة ومواصلة البحث العلمي والمحافظة على المحيط.

ولما جاء مشروع الطريق السريع، كان من المفروض ألا يعبر الحظيرة، لكن وزارة الأشغال العمومية تجاهلت القانون، بل اخترقته صراحة لأن التقنيين الذين يعملون في محيط الحظيرة قاموا بعملهم وأخبروا الوزير أنه يعمل خارج القانون. وأثارت القضية ضجة كبرى، واستقبل الوزير وفدا من معرضي المشروع وقال لهم: أنا رجل علم، ولا يمكن أن أقوم بمشروع لا يحترم المقاييس العلمية. وارتاح له القوم الخبراء الذي يدافعون عن الحظيرة، واعتبروا أنه تم الفصل في القضية، وأنه سيتم إنجاز الطريق السريع عبر مسلك آخر، وتربح الجزائر حظيرة وطريقا سريعا…

لكن أثناء عملية الاحتجاج، تم اكتشاف قضايا غريبة. أولها أنه تم الاتفاق مع شركة يابانية لإنجاز الطريق السريع دون تحديد المكان الذي سيمر عنه. فكيف تم تقييم المشروع من الناحية المالية والتقنية إذا لم نعرف المسلك الذي سيمر عنه؟ وثاني اكتشاف غريب يتمثل في أن شركة الإنجاز هي نفسها التي قامت بالدراسة حول الآثار الإيكولوجية للطريق السريع، مع العم أن كل القوانين والأعراف تفرض أنه يجب الفصل بين صاحب الدراسة حول أي مشروع والشركة التي تقوم بالإنجاز.

ولعل هذا ما يفسر أحد ألغاز تكلفة الطريق السريع، حيث أن كل المؤشرات تؤكد أن تكلفته التي ستقارب 12 مليار دولار، بلغت ضعف السعر الحقيقي. وبصفة ملخصة، يقول الخبراء أن الطريق السريع يكلف عادة ستة ملايين دولار للكيلومتر الواحد، بينما ستبلغ تكلفة الكيلومتر الواحد في الجزائر 12 مليون دولار، رغم أن تكاليف اليد العاملة والطاقة وجزء من المواد الأولية لا تبلغ الأسعار المتداولة في البلدان الأخرى. ويكفي للتأكد من ذلك أن نبحث على شبكة الأنترنات عن تكاليف الطريق السريع في مختلف بلدان العالم لنجد أرقاما تؤكد ذلك. لكن إذا تم الاتفاق على إنجاز المشروع دون تحديد مسلكه، فكل شيء يصبح ممكنا.

وبهذه الطريقة، لا يكلف الطريق السريع أموالا باهظة فقط، بل سيكلف البلاد تدمير حظيرة وطنية، كما سيكلفها تهديم القانون، لأن السلطات العمومية هي التي اختارت هذه المرة أن تنتهك القانون. وما مصير بلد لما يقرر السلطان ألا يحترم الطبيعة والقانون والأعراف؟ وما مصير بلد يحكمه رجال يدعون العلم ويتعاملون بطرق لا تحترم العلم؟

وقال أحد المتتبعين للملف أن هناك ثلاثة وسائل لفرض احترام حظيرة القالة، أولها التجنيد الذي قام به عدد من الخبراء والتقنيين والمناضلين للحفاظ على الطبيعة، والثانية هي مقاضاة وزارة الأشغال العمومية وشركة الإنجاز، لعله يمكن العثور على قاض يفرض احترام القانون، والثالثة هي القيام بحملة في اليابان ضد شركة الإنجاز، لأن اليابانيين يحترمون الطبيعة والقانون، ولعل الرأي العام الياباني سيضغط على تلك الشركة ليفرض عليها التخلي عن المشروع… وما مصير بلد لا يجد إلا الرأي العام الياباني للحفاظ على نفسه؟

Publicités
Poster un commentaire

Laisser un commentaire

Entrez vos coordonnées ci-dessous ou cliquez sur une icône pour vous connecter:

Logo WordPress.com

Vous commentez à l'aide de votre compte WordPress.com. Déconnexion / Changer )

Image Twitter

Vous commentez à l'aide de votre compte Twitter. Déconnexion / Changer )

Photo Facebook

Vous commentez à l'aide de votre compte Facebook. Déconnexion / Changer )

Photo Google+

Vous commentez à l'aide de votre compte Google+. Déconnexion / Changer )

Connexion à %s