حرب بين البترول والقمح

يعيش العالم تغييرا شاملا في أسعار المواد الغذائية. ورغم تبعيتها المخيفة في هذا الميدان، فإن الجزائر تتجاهل هذا الواقع الجديد، متسترة بظاهرة ارتفاع أسعار النفط، التي أصبحت تغطي وتطغى على كل المعطيات الاقتصادية، كما أن السعي وراء العهدة الثالثة أصبح يشكل التفكير السياسي الوحيد المسموح به في الساحة الوطنية. وقد أصبحت آثار هذا التغيير واضحة في السوق الجزائرية، لكن المؤسسات الرسمية مازالت تتعامل معه بطريقة عشوائية رغم أنه يوشك أن يفرض ميزات قوى جديد في العلاقات الاقتصادية الدولية.

والغريب أن هذه المعطيات الجديدة لا تشكل أسرارا يتداولها الخبراء، لكنها متوفرة لدى الجميع. ويكفي الاطلاع على أية جريدة مختصة أو موقع على الأنترنات لإدراك حجم التحولات التي تحدث يوميا. وحتى إن كانت الجزائر لا تقرأ ولا تبحث، فإن سلسلة الأزمات التي عاشتها البلاد خلال السنة الماضية كانت كافية لتدفعها إلى التفكير في تطورات السوق العالمية. فقد مرت على الجزائر أزمة البطاطا ثم الحبوب والحليب، كما دخلت هذه السنة أزمة الحليب، وسيأتي عن قريب دور مواد أخرى، لتشمل المواد الأساسية التي يستهلكها الجزائريون.

وإذا تكلمنا عن القمح، فإن أسعاره عرفت ارتفاعا يتفاوت بين 200 بالمائة و400 بالمائة بالنسبة لبعض النوعيات الراقية. ومنذ بداية السنة فقط، عرف سعر القمح الذي تستورده الجزائر ارتفاعا بـ15 بالمائة، بينما ارتفع سعر الذرى بـ11 بالمائة والسكر بـ7 بالمائة والصوجا بـ5 بالمائة.

ويقول المختصون أن معظم هذه الأسعار قابل ستعرف ارتفاعا متزايدا خلال الأشهر القادمة، بل خلال السنوات القادمة. وعن القمح مثلا، يرجع ذلك إلى عدة أسباب، منها ضعف الإنتاج بسبب الجفاف الذي أصاب عددا من الدول المنتجة، والطلب المتزايد سواء من الدول المستوردة بصفة تقليدية مثل الجزلئر ومصر والفلبين، أو من طرف البلدان التي عرفت نموا اقتصاديا أدى إلى ارتفاع مستوى المعيشة مثل الهند والصين وغيرها. وتم تسجيل رقم تاريخي حيث أن الطلب سيفوق العرض، بقدر 604 مليون طن مقابل 611 مليون طن.

ويضيف الخبراء أن سعر القمح سيعرف ارتفاعا ب،50 بالمائة خلال السنة القادمة، بسبب تشابك الاقتصاد العالمي الذي أصبح كل عنصر منه يؤثر على كافة العوامل الأخرى. وقد بدأ المشوار من ارتفاع أسعار النفط الذي دفع بالدول المستهلكة، خاصة الولايات المتحدة، إلى البحث عن بديل له، فبدأ إنتاج الإيطانول المستخرج من الذرى. ولما انتشرت المساحات المخصصة للذرى، أدت بصفة حتمية إلى تراجع المساحات المخصصة للحبوب. إضافة إلى ذلك، أدى ارتفاع الطلب على الذرى إلى ارتفاع سعره مع العلم أنه يشكل مادة مستهلكة بكثرة في بعض مناطق العالم مثل أميركا اللاتينية، كما أنه يدخل في صناعة المواد الموجهة للمواشي التي تستوردها الجزائر. وكانت النتيجة في نهاية الأمر أن أسعار معظم المواد الغذائية أو المواد التي تدخل في صناعتها والتي تستوردها الجزائر، كل هذه المواد عرفت ارتفاعا أدى إلى التهاب السوق الجزائرية. وإذا عرفنا أن بيع البترول يتم بالدولار، وأن استيراد القمح يتم بالأورو، وأن قيمة الدولار انهارت مقارنة بالعملة الأوربية، فإن القدرة الشرائية لبرميل البترول تراجعت بالنسبة لـ "قروي" لقمح.

ومن جهة أخرى، فإن أسعار القمح والمواد الأولية التي تدخل في إنتاج الزيت مثلا لا يكون لها أثر على السوق الجزائرية إلى بعد أشهر طويلة. وأزمة القمح والزيت التي نعيشها حاليا هي في الحقيقة نتيجة الارتفاع الذي وقع قبل ستة أشهر. أما الارتفاع الذي تم تسجيله خلال الأشهر الستة الماضي وما ستعرف الأسواق من ارتفاع في الأشهر القادمة، فإن نتائجه ستصلنا بعد سنة من الآن. يعني ذلك أنه من المحتمل أن يصل سعر علبة الزيت إلى 1.500 دينار، ولأن التكلفة الحقيقة لرغيف الخبز واللتر من الحليب سيضاعفان…

مت العمل أمام هذا الواقع؟ هل هناك خطة ودراسة لتصل الجزائر إلى إنتاج ما تأكل، أو على الأقل للحد من تبعيتها؟ يقول الأخصائيون أن الميزانية الغذائية للبلاد تكاد تصل إلى نقطة اللارجوع، وأن الجزائر ستشتري بداية من 2010 ما يقارب عشرة مليار دولار من المواد الغذائية، وأنه من الممكن أن تعجز نهائيا على أن تؤثر في هذا الرقم، لتصبح تبعيتها نهائية ومطلقة في الميدان الغذائي. ويبدو أن هذا الرقم لا يخيف المسئولين الجزائريين، حيث أنهم لم يتحيروا كيف بلغت واردات البلاد 27 مليار دولار خلال السنة الماضية، وما أسباب ذلك، وهم مستعدون اليوم ليبلغ رقم الواردات ثلاثين مليار دولار ابتداء من هذه السنة، وهم على يقين أن النفط سيحل كل المشاكل. لكن كيف يمكن أن يحل النفط مشاكل بلاد تبلغ وارداتها ثلاث مرات واردات المغرب دون أن تستطيع أن تقنع أبناءها بعدم الانتحار في البحر؟

Publicités
Poster un commentaire

1 commentaire

  1. nounoussa

     /  9 avril 2008

    أوافقك الرأي لكن فيما يخص أزمة 89 و 93 إدا استطعت مساعدتي لأني بصدد التنحضير لمدكرة تخرج أرجو الرد قريبا و شكرا

    Réponse

Laisser un commentaire

Entrez vos coordonnées ci-dessous ou cliquez sur une icône pour vous connecter:

Logo WordPress.com

Vous commentez à l'aide de votre compte WordPress.com. Déconnexion / Changer )

Image Twitter

Vous commentez à l'aide de votre compte Twitter. Déconnexion / Changer )

Photo Facebook

Vous commentez à l'aide de votre compte Facebook. Déconnexion / Changer )

Photo Google+

Vous commentez à l'aide de votre compte Google+. Déconnexion / Changer )

Connexion à %s