عودة الجزائر إلى الصف العربي

عابد شارف

كانت الجزائر تشكل خطأ تم تصحيحه مع تعديل الدستور في 12 نوفمبر الماضي. ودام الخطأ سنوات طويلة، لكن الوطنيين الغيورين على قيمنا وتقاليدنا وأفكارنا الأصيلة كانوا يقظين، واستطاعوا في نهاية المطاف، بفضل تجنيدهم الدائم، روح التضحية، وبسالة الموقف، استطاعوا أن يصفوا الخطأ، ويحددوا طبيعته، ويدرسوا أسبابه، ويصححوه في آخر المطاف، وذلك رغم عداء الأعداء وتحايل العملاء.

وكان الخطأ يتمثل في محاولة دنيئة بدأت منذ سنوات طويلة، وهي تهدف إلى عزل الجزائر عن باقي الدول العربية في طريقة نظام الحكم. وكانت الجريمة خطيرة فعلا، حيث أن عملاء مندسون قد توغلوا في هياكل الدولة الجزائرية، وحاولوا أن يفرضوا الفصل بين السلطات، وهي فكرة غربية بحتة لا وجود لها في القرآن ولا في السنة، ولا في سلوك أسلافنا من ماسينيسا ويوغرطة إلى بربروس وهواري بومدين… ومن أين لهؤلاء أن يفرضوا فكر مونتيسكيو في بلد الأمازيغ، ويعتبروا أن السلطة تشكل عقدا بين الحاكم والمحكوم؟

وتوسعت المؤامرة لتشمل هدفا آخر يتمثل في منع القائد من البقاء في الحكم، فأدرج المتآمرون مادة دستورية تمنع القائد البقاء في السلطة بعد فترة زمنية، حيث تمنعه من ممارسة السلطة أكثر من عهدتين. ومن الواضح أن هذه المادة، لو تم تطبيقها بصفة واسعة، لمنعت معمر القذافي وحسني مبارك والأسدين وغيرهم من البقاء في السلطة، هذا دون الكلام عن الذين قرروا أن يتوارثوا السلطة أبا عن جد، وإلى الأبد…

وبفضل يقظة الوطنيين المخلصين، عادت الجزائر إلى وضعها الطبيعي، حيث تمت مراجعة الدستور وإزالة كل العقبات التي كانت قد تمنع القائد من حكم البلاد دون انقطاع، ودون حدود لا في الزمن ولا في الصلاحيات، ودون معارضة، ودون هيئات أو مؤسسات يمكن أن تعرقل مسيرته. وقد أزيحت كل هذه العقبات في نهاية المطاف، وتم إلغاء تلك المؤسسات المزيفة والزائدة التي تعرقل عمل المناضلين المخلصين.

والحمد لله، لا يوجد اليوم في بلادنا برلمان. بل إن البرلمان نفسه اعترف بأن وجوده خطأ، وقرر بكل حرية وفي شفافية لا مثيل لها، قرر أن ينتحر يوم 12 نوفمبر 2008، أمام أعين العالم، ليسحب من نفسه كل الصلاحيات التي أعطاها له دستور 1996، واعترف البرلمان أنه مؤسسة زائدة لا تنفع ولا تضر، وأن الجزائر ليست بحاجة إليه. وكيف للجزائر أن تضيع وقتها في التعامل مع برلمان وهي منشغلة بقضايا إستراتيجية ذات أهمية قصوى…

واخترعت الجزائر نظاما سياسيا جديدا، حيث أن التعديلات الأخيرة للدستور جاءت لحماية الحكومة من البرلمان. وأية حكومة في البلاد العربية مسئولة أمام البرلمان؟ أليس من العار أن تخرج الجزائر من الصف العربي، وتخلق بدعة كهذه التي تجعل معالي الوزير الأول يحاسب من طرف أعضاء البرلمان؟ أليس من العار أن يكون رئيس الحكومة مسئولا أمام النواب بدل أن يكون مسئولا أمام القائد؟ هذا وضع غير مقبول، وقد قررت الجزائر أن تضع له حدا بصفة نهائية. وابتداء من الآن، فإن القائد يقود، وله التجربة الضرورية لاتخاذ القرارات الجدية وتحديد البرامج الضرورية التي تخدم الوطن والمواطنين. وما على باقي المسئولين إلا أن يجتهدوا ليكونوا عند حسن ظنه. هذا هو السلوك العربي الأصيل الذي يجب احترامه والتمسك به إلى يوم القيامة…

وفي المسعى الحثيث للتمسك بالأنظمة البالية، وبالأصالة التاريخية، لا بد من الإشارة إلى نقطة أخيرة. فإذا كانت ليبيا لم تعرف أبدا مذاق التعددية والحرية، وإذا كانت الكثيرين من البلدان العربية تسعى إلى توريث الحكم بطريقة أو أخرى، وإذا كانت بعض البلدان في الخليج تظهر على شكل شركة أسهم يكسبها الملك أو الأمير، فإن الجزائر ذاقت الحرية، وعاشت التعددية، وتعرفت على طبيعة حقوق الإنسان، ووصلت إلى باب الحلم الديمقراطي. لذلك، فإن وضعها يبدو للمواطنين أصعب وأمر من البلدان العربية الأخرى. ويقول المثل أن العبودية أصعب على الأحرار منها على العبيد…

 

Publicités
Poster un commentaire

Laisser un commentaire

Entrez vos coordonnées ci-dessous ou cliquez sur une icône pour vous connecter:

Logo WordPress.com

Vous commentez à l'aide de votre compte WordPress.com. Déconnexion / Changer )

Image Twitter

Vous commentez à l'aide de votre compte Twitter. Déconnexion / Changer )

Photo Facebook

Vous commentez à l'aide de votre compte Facebook. Déconnexion / Changer )

Photo Google+

Vous commentez à l'aide de votre compte Google+. Déconnexion / Changer )

Connexion à %s