قانون السلطة يهزم سلطة القانون

عابد شارف

ماذا يكون رأي أي مواطن إذا توجه إلى الصيدلي ليشتري دواء، فقال له هذا الأخير أنه لا يبيع أدوية بل يبيع أعشابا أو عجلات للسيارات؟ وماذا يكون شعور المواطن إذا قال له الطبيب أنه لا يداوي العباد، بل أنه يبيع أجهزة الهاتف النقال؟ بطبيعة الحال، سيغضب المواطن، ويتعجب من أناس يقومون بأعمال غير معهودة، ويقول أن الأمور أصبحت غريبة وأن المجتمع تغير، وأن المفاهيم انقلبت…

وينطبق نفس الشيء على المؤسسات الجزائرية، سواء كانت إدارة أم جمعيات أم مؤسسات اقتصادية… فقد تعلمت الإنسانية أن تتعامل مع القضايا بحد أدنى من المنطق، يسمح للمواطن أن يفهم ما يحدث حوله، يعرف كيف يتصرف، ويتعامل معه بطريقة منطقية متحضرة. ومعروف مثلا أن الشرطي يفرض احترام القانون في الشارع، وأن القاضي يحكم بين الناس طبقا للقانون، وأن الوزير يطبق برنامجا وأفكارا يؤمن بها، ويدافع عنها، وإذا لم تتفق أفكاره مع تلك التي يتبناها الحاكم، فإن الوزير يغادر الحكومة لينضم إلى المعارضة أو يختار سبيلا آخر.

لكن ماذا إذا أصبح الشرطي هو الذي يفرض الفوضى في الشارع، ولما يصبح القاضي مصدرا لأحكام غير عادلة، ولما يقول الوزير أنه يرفض هذه الفكرة وتلك، ثم يتبناها ويطبقها ويدافع عنها؟ ماذا لما يقول رئيس الجمهورية في الصبيحة أنه فشل في بناء اقتصاد قوي، ويعود عشية ليؤكد تمسكه بنفس الطريقة التي فشلت؟ كيف يتصرف المواطن لما يربي أبناءه على قول الصدق وفعل الخير والتضامن مع الضعفاء، والسعي وراء العلم والعمل، ثم يرى أن الكذب أصبح من الخصال الأكثر تداولا عند أهل الحكم، وأن لا أحد يقتدي بالعلم، وأن العمل لا يضمن حياة كريمة؟ كيف يتصرف لما يرى أناسا يتكلمون يوميا عن حرية التصويت، قبل أن يجعلوا أجهزة الدولة وأموالها ومؤسساتها وهياكلها في خدمة أحد المترشحين على حساب الآخرين؟

هذا وزير المالية، السيد كريم جودي، الذي قال مرات عديدة أن فكرة إنشاء صناديق السيادة ليست جادة ولا تنفع، وهو اليوم يفتخر برئاسة أول صندوق أنشأته الجزائر… هذا رئيس الحكومة يتكلم عن انتخابات ديمقراطية ويسعى في نفس الوقت لا لفرض مرشحه فحسب، بل يسعى إلى ضمان الفوز بالطريقة التي ترضي مرشحه… وهذا المجلس الدستوري، الذي يعتبر آخر معقل للقانون، يصدر قرارات لإقامة انتخابات على المقاس الذي يريده الحاكم… ولعل ما يقوم به المجلس الدستوري يشكل أخطر ظاهرة لأن انحيازه إلى شخص أو حزب أو كتلة أو قوة سياسية ومالية تدفع المواطن إلى أن يفقد الأمل في كل المؤسسات… ومثلما يحدث في كرة القدم، يمكن لأي فريق أن يواجه فريقا آخر أقوى، لكنه لا يستطيع أن يواجه الفريق الخصم وجمهوره والحكم (arbitre) في نفس الوقت.

وللمجلس الدستوري في الجزائري قصة غريبة مع الانتخابات، خاصة منها الانتخابات الرئاسية. ففي سنة 1995، سمح المجلس للمرحوم محفوظ نحناح أن يترشح للرئاسيات، لأن السلطة كانت يومها بحاجة إلى مترشح يقال عنه أنه "إسلامي". لكن نفس المجلس رفض للسيد نحناح حق الترشح سنة 1999، لأن السلطة كانت يومها بحاجة إلى دعم زعيم حماس لمرشح السلطة، السيد عبد العزيز بوتفليقة. ووافق المجلس على قرار ينزع من السيد نحناح حقا كان قد مارسه خمس سنوات قبل ذلك…

وفي سنة 1999 دائما، وافق المجلس الدستوري على ترشح السيد أحمد طالب إبراهيمي، الذي برهن أنه قادر على تجنيد قاعدة من المواطنين الذين يتبنون أفكاره. ولما اعتبر السيد إبراهيمي أن الانتخابات مزورة، قرر أن ينسحب رفقة خمس مترشحين آخرين. لكن سنة 2004، رفض المجلس الدستوري ترشح السيد طالب الإبراهيمي، بحجة لم يقبلها أي متتبع لشئون البلاد… وجاءت المفاجأة الأخيرة مع السيد محمد السعيد، الذي كان من المقربين للسيد طالب الإبراهيمي، حيث كان مدير حملته الانتخابية سنة 1999. وترشح السيد محمد السعيد سنة 2009 ووافق المجلس الدستوري على ترشحه…

ونلاحظ أن قرارات المجلس الدستوري صدرت كل مرة في اتجاه واحد، وهو الاتجاه الذي تحدده السلطة لطبيعة الانتخابات. فإذا أرادت السلطة أن يكون عدد المرشحين، كبيرا فإن المجلس الدستوري يفتح الأبواب، وإذا أرادت أن تضع أحد المرشحين تحت الضغط، فإن المجلس الدستوري يقوم بعمله على أحسن وجه. ويواصل المجلس على نفس الإيقاع رغم أن رئيسه يتغير، وأن أعضاءه يحصلون على التقاعد، ليتركوا مكانهم لأعضاء آخرين يتصرفون بنفس الطريقة.

ويبقى نفس السؤال يفرض نفسه في كل الأحوال: ماذا يفعل المواطن لما ينتصر قانون السلطة على سلطة القانون؟ ولم يجد المواطن حلا، باستثناء "الحرقة" إن كانت حلا، سواء كانت هذه "الحرقة" سياسية جماعية، بمعنى الخروج من النظام وعن النظام، أو فردية، مثلما يفعل الكثير… لكن حتى هؤلاء "الحراقة" لم يسلموا من المجلس الدستوري، حيث أن الحكومة، على لسان العدل، وأي عدل، قررت أن تعاقب من يسمح في كل شيء ويهاجر البلاد. ولم يتدخل المجلس الدستوري ليقول لأهل السلطة: لقد تجاوزتم الحدود، ألا يكفيكم أن تستعبدوا من يعيش معكم حتى تريدوا أن تعاقبوا من يريد أن يهجركم…

Publicités
Article précédent
Poster un commentaire

Laisser un commentaire

Entrez vos coordonnées ci-dessous ou cliquez sur une icône pour vous connecter:

Logo WordPress.com

Vous commentez à l'aide de votre compte WordPress.com. Déconnexion / Changer )

Image Twitter

Vous commentez à l'aide de votre compte Twitter. Déconnexion / Changer )

Photo Facebook

Vous commentez à l'aide de votre compte Facebook. Déconnexion / Changer )

Photo Google+

Vous commentez à l'aide de votre compte Google+. Déconnexion / Changer )

Connexion à %s