من احترم القانون فهو آمن… تقريبا

عابد شارف

لما يبتعد المواطن عن القانون أو يخالفه، فمن واجب الدولة أن تفرض عليه العودة إلى الشرعية، ولو بالقوة، وأن تعاقبه. لكن الأمر يصبح أكثر تعقيدا لما تتواطأ الإدارة مع المواطن في عدم احترام القانون، أو تدفعه إلى ذلك، عن وعي أو من دون وعي. وفي هذه الحالة، يصعب تحديد المسؤوليات.

وكثيرا ما يحدث هذا في الجزائر، سواء تتخذ الإدارة قرارا خاطئا يدفع المواطن إلى تجاوز القانون، أو أن الإدارة تكتفي بعدم اتخاذ القرار. وفي هذه الحالة، فإن المواطن يبحث عن حلول في إطار القانون، لكن لما يغيب الحل بسبب عجز الإدارة، فإن المواطن يجد نفسه مضطرا إلى البحث عن حلول دون مراعاة مطابقتها مع القانون.

وحدث قرب الجزائر العاصمة أن مجموعة من المواطنين اشتروا قطعة أرض بغرض بناء مساكن، وذلك منذ أكثر من عشر سنوات بالنسبة لمجموعة أولى، وأكثر من عشرين سنة بالنسبة لمجموعة ثانية. ولحد الساعة، لم ترخص لهم السلطات المحلية بالبناء على تلك الأراضي، رغم أنهم حصلوا على عقد الملكية منذ عهد طويل وأن الإدارة باعت لهم الأراضي من أجل بناء مساكن…

وبالقرب من هؤلاء، جاءت مجموعة أخرى من المواطنين، فحطوا رحالهم على أراضي فلاحية، وقاموا ببناء مساكن دون أية وثيقة. وتمكن هؤلاء من الحصول على الماء والكهرباء، وسجلوا أبناءهم في المدارس المجاورة، وأصبحوا سكانا عاديين… أما أصحاب الأرض الذين اشتروها بأموالهم، فإنهم ينتظرون لأنهم فضلوا احترام القانون… وبعد انتظار تجاوز العشر سنوات، قرر أحدهم أن يعتدي على القانون ويبني بطريقة غير شرعية لأنه اقتنع أن احترام القانون لا ينفع…

ومن هذا السلوك، أصبح المواطن لا يؤمن أن هناك خط بين ما هو قانوني وما هو خارج القانون. وتختلك الأمور أكثر لما يقوم ممثلو الدولة باتخاذ قرارات لا معنى لها. ومن يسلك الطريق السريع مثلا، ويجد إشارة تحدد السرعة إلى ثمانين كيلومتر أو حتى ستين كيلومتر في الساعة، لا يؤمن أن هذه الإشارة تنفع بطريقة أو أخرى. وفي نهاية المطاف، فإن هذا المواطن يتعود على احتقار إشارة المرور، ومن خلالها، يتعلم كيف يحتقر القانون بصفة عامة.

وأخطر من هذا كله، لما يتعود أعوان الدولة على مثل هذا السلوك خارج القانون. ومن يسافر على الطريق الوطني رقم أربعة، يلاحظ قرب محطة الحافلات في مدينة خميس مليانة، يلاحظ أنه تم إنجاز عدة ممرات للراجلين ونفق كامل، لكن الراجلين لا يستعملون أبدا تلك الممرات المخصصة لهم. وأخطر من ذلك، فإن أعوان الأمن يعتبرون ذلك عاديا، ولا يفعلون شيء لدفع الراجلين إلى استعمال تلك الممرات المخصصة لهم…

وفي نفس السياق، فإن ظاهرة حراس الطرق قد انتشرت في كافة مناطق البلاد، وذلك أمام مرأى الجميع. وأصبحت الظاهرة عادية، يتعامل معها الجميع، رغم أنها خارجة عن القانون. وما حدث في مستغانم بداية الأسبوع يؤكد الانزلاق، حيث أن عشرات المواطنين اعتدوا على الأملاك العمومية لأن السلطات المحلية منعتهم من ممارسة نشاط غير قانوني… ولم يكتف هؤلاء بالقول أن لهم الحق بممارسة التجارة دون دفع الضرائب ولا احترام القانون، بل قاموا بمظاهرات للدفاع عن الممنوع… وهو الممنوع الذي يضمن لهم لقمة العيش…

كيف التصرف أمام هذا الانزلاق؟ هل يجب على الإدارة أن تغض النظر، وتترك الوضع على حاله، مع العلم أن هذا النشاط التجاري الخارج عن القانون يشكل خطرا على الاقتصاد والأمن والمؤسسات وعلى العمران، وأنه يهدد بدفع البلاد بكاملها إلى الهاوية؟ أم هل يجب مواجهة هذا الانزلاق، ولو بالقوة، مع العلم أن البيروقراطية الجزائرية ستكتفي بالقمع في هذه الحالة، وأنها ليست قادرة على اقتراح أي بديل لهؤلاء؟

ويمكن أن نشير في الأخير إلى نقطتين. ففي ماض قريب، سمحت الإدارة لشركات الهاتف النقال أن تبيع منتوجها دون معرفة هوية الزبائن. ولما اتضح أن ذلك يشكل تهديدا على أمن البلاد، عادت السلطة وأمرت باحترام القانون، وفرضت تحديد هوية كل الزبائن، فاستجابت كل الشركات، وطبقت القانون، بل بالغت في تطبيقه أحيانا. ويعني ذلك أن الصرامة ممكنة، واحترام القانون ممكن إذا كان مفروضا على الجميع بطريقة واضحة وشفافة…

أما النقطة الثانية ، فإنها تتعلق بما حدث في مسجد الأمير عبد القادر في قسنطينة، حيث قام رئيس لجنة المسجد بعزل إمام المسجد لأنه رأى رؤية تحثه على ذلك… ويؤكد ذلك أن الخروج عن القانون يمكن أن يؤدي إلى كل الانزلاقات، بما في ذلك تسيير شئون المواطنين عن طريق الأحلام… وهي الأحلام التي تتحول في الجزائر إلى كوابيس (كوشمار).

Publicités
Article précédent
Poster un commentaire

Laisser un commentaire

Entrez vos coordonnées ci-dessous ou cliquez sur une icône pour vous connecter:

Logo WordPress.com

Vous commentez à l'aide de votre compte WordPress.com. Déconnexion / Changer )

Image Twitter

Vous commentez à l'aide de votre compte Twitter. Déconnexion / Changer )

Photo Facebook

Vous commentez à l'aide de votre compte Facebook. Déconnexion / Changer )

Photo Google+

Vous commentez à l'aide de votre compte Google+. Déconnexion / Changer )

Connexion à %s