أمريكا في هايتي: مساعدات إنسانية واحتلال أنيق

دخلت الواليات المتحدة بقوة إلى هايتي، في تجربة جديدة للسيطرة على
بلدان ضعيفة بطرق سلمية وبمساندة دولية.

عابد شارف

قررت الولايات المتحدة نشر أكثر من عشرة آلاف جندي في هايتي وفي
المياه المحيطة بها، كما تقدمت أمريكا بمساعدات ضخمة لصالح هذا البلد بعد المأساة
التي أصابته جراء زلزال 12 جانفي الماضي. وأقدمت أمريكا بطائراتها وبواخرها
ومعداتها المدنية والعسكرية، دون أن يثير ذلك ردود فعل تذكر مثلما كان يحدث في
السابق عندما يتحرك الجيش الأمريكي.

وقد واجه العالم القرار الأمريكي الذي أدى إلى استيلاء مقنع على هايتي
بشعور متناقض. فمن جهة انزعج البعض بسبب الطريقة التي استعملها الأمريكيون للاستيلاء
على المطار والميناء واستعمالهم لصالح الجيش والمعدات الأمريكية بالدرجة الأولى،
لكن أغلبية بلدان العالم تلقت ذلك بارتياح محتشم، وكان الكل يقول أن تكفل أمريكا
بهايتي يجنبهم القيام بواجبهم الإنساني.

أما أمريكا، فإنها شنت عملية كبرى لتصحيح صورتها في عدد من البلدان
وعند الرأي العالم الأجنبي بصفة عامة. ولا شك أن أمريكا تريد أن تغير صورة الجندي
الأمريكي في العراق وفي أفغانستان بصورة أخرى للجندي الأمريكي الذي يوزع المواد
الغذائية ويداوي أطفال هايتي ويعيد النظام ويضمن الاستقرار في بلد كان يعاني منذ
عشرات السنين من انعدام الأمن.

وقد شجعت الموجة الكبرى من التعاطف التي اجتاحت العالم أمام الصورة
الواردة من هايتي، شجعت الأمريكيين على الاندفاع بقوة في هذا البلد الفقير. وقد
خلف زلزال 12 جانفي أكثر من 150 ألف قتيل، مما يجعل منه إحدى أكبر الكوارث
الطبيعية في بداية هذا القرن. إضافة إلى ذلك، فإن هايتي من أفقر البلدان في
العالم، ولم يكن قادرا حتى على دفن موتاه. وأمام حجم الكارثة، اقتنع الكثير أن
مساعدة هذا البلد لا يمكن أن يتم إلى عن طريقة تدخل ضخم من قوة هائلة، ولا توجد
إلا الولايات المتحدة للقيام بهذا العمل.

لكن دخول أمريكا إلى هايتي لا يقتصر على دوافع إنسانية فقط، بل أن
الدوافع السياسية والأمنية كانت موجودة بقوة إن لم تكن أساسية في القرار الأمريكي.
وانتشار المارينز في المياه الحيطة بهايتي يهدف بالدرجة الأولى إلى منع هجرة
جماعية نحو أمريكا عن طريق البحر.

إضافة إلى ذلك، فإن الولايات المتحدة تريد أن تقول للعالم كله أن
بلدان أمريكا تبقى من دائرتها الخاصة، ولا يحق لأحد أن يتدخل فيها. ويتوجه الخطاب
بصفة خاصة إلى كوبا المسكينة التي توجد بالقرب من هايتي لكنها لا تكسب قوة التدخل
الأمريكية، وإلى فنزويلا التي أكثرت الكلام، وفرنسا التي أبدت عواطف كبيرة وعملا
صغيرا.

ومن جهة أخرى، فإن الولايات المتحدة تخشى إلى حد بعد انهيار الدولة في
هايتي، مما يجعل من هذا البلد "دولة فاشلة"، أي دولة غير قادرة على
القيام بالمهام التقليدية للدولة من حفظ الأمن وتنظيم الإدارة وغيرها، وهو الوضع
الخطير جدا في نظر أمريكا لأنه يفتح المجال أمام كل المغامرات. ومن الاحتمالات
الواردة عند انهيار الدولة، تخشى أمريكا استيلاء عصابات إجرامية أو إرهابية على
هايتي مثلا لتجعل منه مركزا لنشاطات دولية واسعة.

واختارت أمريكا هذه المرة أن تستعمل وسائل سلمية، بطلب علني أو ضمني
من العالم، لتبسط يدها على هايتي. ولن تكلفها هذه الطريقة الكثير، عكس الطريقة
التقليدية التي كان يستعملها الرئيس الأسبق جورج بوش. وإذا نجحت هذه التجربة
الجديدة فلا شك أن الولايات المتحدة ستحاول توسيعها إلى بلدان أخرى، ولعل أول مرشح
لذلك هو اليمن الذي يعاني من اضطرابات متكررة دون أن تتوفر لديه الإمكانيات
المالية والمعدات لمواجهتها. وستكتفي أمريكا بانتظار اللحظة التي يجد فيها اليمن
نفسه في حالة تفرض عليه أن يطلب يد المساعدة، تحت ضغط الأحداث. وستظهر أمريكا أنها
جاءت لإنقاذ بلد من الانفجار، لا لاحتلاله.

هذه هي الخطة، وهذا هو المشروع… أما عن تطبيقها ميدانيا واحتمال
نجاحها، فذاك أمر آخر…

Publicités
Poster un commentaire

Laisser un commentaire

Entrez vos coordonnées ci-dessous ou cliquez sur une icône pour vous connecter:

Logo WordPress.com

Vous commentez à l'aide de votre compte WordPress.com. Déconnexion / Changer )

Image Twitter

Vous commentez à l'aide de votre compte Twitter. Déconnexion / Changer )

Photo Facebook

Vous commentez à l'aide de votre compte Facebook. Déconnexion / Changer )

Photo Google+

Vous commentez à l'aide de votre compte Google+. Déconnexion / Changer )

Connexion à %s