شراكة تؤدي إلى الهلكة

أدى اتفاق الشراكة
بين الجزائر والاتحاد الأوربي إلى فشل واضح… ولكن ما العمل حتى لا يتم تصحيح
الخطأ لخطأ أكبر؟

عابد شارف

لماذا أدى اتفاق
الشراكة مع الاتحاد الأوربي إلى تراجع الاقتصاد الوطني بدل أن يؤدي إلى الانتعاش
الذي كان منتظرا؟ جاءت هذه النتيجة لأن تحضير المفاوضات حول اتفاق الشراكة كان فاشلا،
ولأن المفاوضات نفسها لم تتم بالطريقة المطلوبة في هذه الظروف، ولأن تطبيق القرار
تم بطريقة عشوائية، فلم تستطع المؤسسات الجزائرية من استغلاله بينما استطاعت
الشركات الأوربية أن تفرض نفسها في السوق الجزائرية.

وقد جاءت هذه
الاعترافات على لسان مسئولين سامين، قالوا أن الجزائر لم تكن جاهزة للتفاوض ولا
لتطبيق اتفاق مع الاتحاد الأوربي. وجاء مضمون الاتفاق في غير صالح المؤسسات الجزائرية
في ذلك الوقت بالذات لأنها كانت في وضع لا يسمح لها بدخول المنافسة في ظروف مقبولة.
وقد أدت مراجعة الضرائب الجمركية مثلا إلى انخفاض أسعار السلع الأوربية، مما أدى
بدوره إلى ارتفاع هائل للواردات.ونتج عن ذلك تحطيم ما تبقى من المؤسسات الصناعية
الجزائرية. وتكرست النزعة السائدة في الاقتصاد الجزائري حيث تطغى عليه عمليات
الاستيراد، حيث تضاعفت الواردات في سنتين بين 2007 و2009 لتبلغ أربعين مليار
دولار…

وانكشفت العورة إلى
حد غريب. فقد قال مسئولون عن الملف الأوربي أن المكلفين بالمفاوضات تلقوا تعليمات
للتوصل إلى اتفاق في ظرف قصير جدا، وأضافوا أنهم كانوا يتفاوضون دون أن يحددوا إستراتيجية،
ودون تعليمات سياسية باستثناء ضرورة الوصول إلى اتفاق في أقرب الآجال. وكانت
المفاوضات تجري دون أن يكون فريق المفاوضين الجزائريين منظما ومهيكلا، إلى درجة
أنه لم يكن للمفاوضين مسئول يتمتع بصلاحيات واضحة… وحتى اليوم، مع صدور هذه
الأخبار في الصحافة، نلاحظ أن وزارة التجارة مازالت تتهم وزارة الشئون الخارجية
بالتقصير في تحضير المفاوضات، وكأننا نتكلم عن خلاف بين أصحاب حوانيت لا بين
مؤسستان دولة أو بين وزراء ينتمون إلى نفس الحكومة.

وقد تأكد اليوم أن اتفاق
الشراكة مع الاتحاد الأوربي قد أدى إلى نتائج خطيرة بالنسبة للاقتصاد الوطني، مما
يدفع إلى التساؤل: هل يمكن تصحيح الخطأ وترقيع ما يمكن ترقيعه؟ نظريا، هذه
الإمكانية مطروحة، خاصة وأن الطرفين ينظمان لقاءات دورية لتقييم الاتفاق. لكن يقول
أحد الخبراء المكلفين بالملف إن الوفد الجزائري يبقى في وضعه السابق، لا يعرف
الانسجام، كما أنه ينتظر التوجيهات السياسية.

ومن المعروف أن نفس
الأسباب تؤدي إلى نفي النتائج. وعند إمضاء اتفاق الشركة، كانت السلطة التنفيذية في
الجزائر تتكون من نفس المشاركين، مع السيد عبد العزيز بوتفليقة في الرئاسة، وقادة
الأفالان والأرندي في الحكومة، وحضور حماس في التحالف الرئاسي. وهذا ما لا يدفع
إلى التفاؤل في عملية مراجعة الاتفاق، لأن هؤلاء فشلوا في المفاوضات الأولى،
فلماذا سينجحون هذه المرة؟

والحقيقة أن ملف اتفاق
الشراكة مع الاتحاد الأوربي يطرح من جديد قضية المشاريع والقضايا الكبرى المطروحة
في الأجندة السياسية للبلاد. إن الفصل في مثل هذه الملفات لا يتم من طرف حكومة لوحدها،
ولا يتم بأية طريقة كانت، ولا يمكن أن يتكفل به الخبراء لوحدهم لأنهم لا يكسبون
الشرعية الضرورية لذلك. إن هذه القضايا تحدد مستقبل البلاد لعشرات السنين، وتفرض
ضبط العملية بطريقة جدية لتوفير أحسن الشروط من أجل نجاحها.

ونحن نتكلم اليوم عن
اتفاق الشراكة مع الاتحاد الأوربي، وسنتكلم غدا عن إقامة فضاء اقتصادي مشترك في
المغرب العربي، أو الاندماج الاقتصادي على الصعيد الإفريقي أو في المنطقة العربية
للتبادل الحر. كل هذه القضايا تفرض على أية حكومة أو سلطة أن تقوم بعملية تشاور
كبرى، مع تنظيم نقاش وطني تشارك فيه كل القوى السياسية، من أجل تحديد الرهانات،
والحصول على أكبر إجماع وطني ممكن، حتى لا يتم التراجع عن القرار بمجرد تغيير وزير
أو حكومة أو رئيس.

وبالتوازي مع عملية
التشاور، من المفروض أن يتم تحديد أولويات البلاد للعشريات القادمة، حتى تعرف
البلاد أي اتجاه يجب اتخاذه. وعندها يمكن الخوض في المفاوضات بطريقة جدية منسجمة
مع ترتيب الأولويات والأدوار وتحديد الأهداف. وقد تأسف الكثير مثلا لما رأوا أن
بلدان المغرب العربي دخلت في مفاوضات مع أوربا بصفة منعزلة ودون تشاور بينها.

ويقال أن الجزائر
تعلمت طرق وشروط التفاوض منذ معاهدات إيفيان، وأنها تعلمت كيف تحضر الميدان لكل
المفاوضات، وأنها قامت بتكوين رجال مختصين يشهد لهم العالم في تقنيات التفاوض. كل
هذا صحيح، لكنه لا يؤدي إلى أية نتيجة إذا لم تكن المفاوضات ترتكز على سياسة قوية وأهداف
واضحة وخطة مضبوطة. وأكثر من هذا، يجب أن يكون المتفاوض يتمتع بشرعية قوية لا يطعن
فيها أحد. وهذا ما ينقض الحكومات المتتالية التي تكفلت باتفاق الشراكة مع الاتحاد
الأوربي، مما دفع الجزائر إلى إبرام اتفاق يقضي على اقتصادها ويضر بمؤسساتها ولا
يأتي بفائدة على الأمد الطويل حيث أن النتيجة النهائية كانت فتح الحدود أمام المنتوج
الأوربي لا أكثر ولا أقل.

 

Publicités
Poster un commentaire

Laisser un commentaire

Entrez vos coordonnées ci-dessous ou cliquez sur une icône pour vous connecter:

Logo WordPress.com

Vous commentez à l'aide de votre compte WordPress.com. Déconnexion / Changer )

Image Twitter

Vous commentez à l'aide de votre compte Twitter. Déconnexion / Changer )

Photo Facebook

Vous commentez à l'aide de votre compte Facebook. Déconnexion / Changer )

Photo Google+

Vous commentez à l'aide de votre compte Google+. Déconnexion / Changer )

Connexion à %s