كرة القدم والتلفزيون

الجزائر تقصي نفسها
من المنافسة

عابد شارف

تزامن انطلاق منافسات
كأس إفريقيا للأمم في كرة القدم مع مبادرات جديدة في ميدان التلفزيون، وأبرزها
تنبع من "الجزيرة الرياضية" ومن قناة "نسمة" التي تبث من
تونس. وتعمل القناتان في نفس الاتجاه، وهو كسب جمهور بمناسبة كأس إفريقيا وكأس
العالم، ومحاولة الاحتفاظ به وبثقته على المدى المتوسط والبعيد.

ويتميز مشروع "الجزيرة
الرياضية" بحجمه بطابعه الشامل للاستيلاء على أكبر ما يمكن من سوق التلفزيون
الرياضي الناطق باللغة العربية. ويشمل المشروع جوانب متعددة تتعلق بالقضايا المالية
والتقنية وحتى بالمنشطين الذين يشرفون على أهم الحصص الرياضية، مما يسمح للجزيرة
أن تبسط نفوذها بصفة نهائية على سوق التلفزيون الرياضي على حساب المنافس
"أرت"
Art.

وكان قد اتضح منذ
سنوات أن سوق التلفزيون الرياضي باللغة العربية لا يتسع لأكثر من متعامل واحد.
وكانت مجموعة "أرت" التابعة للسعودي الشيخ صالح، وهو من العائلة الملكية
السعودية، كانت قد تمكنت من فرض نفسها في مرحلة أولى. لكن الظهور القوي للجزيرة
بمختلف فروعها أدى إلى تغيير الوضع، مما دفع الطرفين إلى التفاوض والتوصل إلى
اتفاق تم بموجبه بيع كل حقوق "أرت" إلى الجزيرة مقابل ثلاثة مليار
دولار.

ويأتي هذا الاستثمار
الضخم متزامنا مع المبالغ التي تم دفعها للحصول على حقوق المنافسات الأخرى مثل كأس
العالم وبطولة أوربا للأمم وبطولة الأندية الأوربية وغيرها، مما جعل استثمارات
الجزيرة تصل مبالغ خيالية يجب استعمال كل الوسائل للتمكن من تحويلها إلى فوائد. وغامرت
"الجزيرة الرياضية" في هذا الاتجاه رغم أن الكثير من المحللين يشكون في
إمكانية الحصول على أرباح في إطار السوق العربية التي تبقى محدودة الإمكانيات. ويقول
أحد الخبراء أن السوق العربية غير كافية، حيث أنها تتكون من حوالي 200 مليون نسمة أغلبهم
عاجزون على شراء بطاقات الجزيرة، خاصة في أكثر البلدان سكانا مثل مصر وبلدان
المغرب العربي، مع العلم أن هذه المنطقة تشمل ما يقارب ثلثي العالم الناطق
بالعربية.

ومن جهة أخرى، حددت "الجزيرة"
خطة من نقطتين لمغازلة الجمهور العربي بمناسبة كأس إفريقيا للأمم. وقد لجأت القناة
إلى تشغيل منشط رياضي من كل بلد عربي مؤهل لكأس إفريقيا، على أن يعلق هذا المنشط
على مقابلات بلاده. ومن يشاهد مقابلة بلاده على "الجزيرة الرياضية"
يعتقد أنه يشاهد إحدى قنوات بلاده لأن "الجزيرة" استطاعت في نفس الوقت أن
تشغل أشهر المنشطين في كل بلد تقريبا. إضافة إلى ذلك فقد قررت "الجزيرة"
بث مقابلات الفرق العربية مجانيا لشراء قلوب الجمهور العربي، لكنها لم تتخذ نفس
القرار بالنسبة للفرق غير العربية، مع العلم أن الجمهور الرياضي في تلك البلدان الإفريقية
فقير جدا.

وقررت "الجزيرة"
بمعلقيها ومنشطيها وإطاراتها أن تساند البلدان العربية على حساب البلدان الإفريقية
الأخرى، وهي خطة تجارية مبنية على عامل عاطفي يمكن أن يأتي بثماره. لكن هذا الموقف
يبقى مزعجا نوعا ما لأنه يشبه معاداة غير مبررة تجاه الفرق الإفريقية، إن لم نقل
أنه موقف شوفيني. ويبقى أن نعرف كيف ستتعامل قناة الجزيرة مع مقابلة محتملة بين
الجزائر ومصر في الدور الثاني، خاصة أن عددا من المتعاملين المصريين اتهموا
"الجزيرة" بالانحياز للجزائر في الخلاف القائم بعد مقابلتي القاهرة
والخرطوم.

أما تلفزيون
"نسمة"، فإنه اتبع خطة مماثلة رغم أن أهدافه تختلف في التفاصيل. ونذكر
أن تلفزيون "نسمة" ملكية للأخوين "قروي"، بالاشتراك مع رجل
أعمال تونسي آخر وإحدى شركات الوزير الأول الإيطالي سيلفيو برلسكوني. وتريد
"نسمة" أن تخاطب جمهورا من المغرب العربي شاب نوعا ما، يتكلم ذلك الخليط
من العربية والفرنسية الذي يسود الشارع في بلدان المغرب العربي.

واختارت
"نسمة" صراحة أن تساند فرق المغرب العربي، أي تونس والمغرب، والبلدان
العربية، أي مصر، رغم ميولها الواضح للجزائر في قضية الخرطوم. وغيرت
"نسمة" برامجها بصفة جذرية بمناسبة كأس إفريقيا، حيث خصصت كل سهراتها إلى
هذه المنافسة. ويجب أن نعترف أن قائمة المدعوين لسهرات "نسمة" تشد
الانتباه سواء من جانب العدد أو بالنسبة لهوية ونوعية الشخصيات المدعوة، من لاعبين
ومدربين وفنانين وخبراء.

ويتضح من الحصص التي
يمكن متابعتها كل مساء أن "الجزيرة الرياضية" و"نسمة" وضعتا خطة
مماثلة بمناسبة كأس العالم، وذاك أمر مشروع من كل تلفزيونات العالم في ظل التنافس
الذي يسود هذا الميدان. أما النقطة السوداء، فإنها تتعلق طبعا بالغياب التام
للجزائر في هذه المنافسة التلفزيونية، وذلك رغم أن الجزائر شاركت بصفة مقبولة لحد
الآن في كأس إفريقيا، وأنها البلد العربي الوحيد المؤهل لنهائيات لكأس العالم.

وقد صممت الجزائر
على البقاء بعيدا من هذا السوق بقنواتها الثلاث، تلك القنوات التي تواصل بث نفس
الصور القديمة وتنظيم نفس الحصص بنفس طرق التقديم والتنشيط التي تعود إلى القرن
الماضي. وإذا عرفنا حجم المبالغ المتداولة في التلفزيون والتقنيات المرتبطة به مثل
الأنترنات، فإننا ندرك أن تقدم الفريق الوطني يشكل معجزة لا يمكن أن تدوم. والكل
يعرف أن التلفزيون أصبح أكبر ممول لكرة القدم إلا في الجزائر التي لم تدرك أن عهد
القناة اليتيمة انتهى.

Publicités
Poster un commentaire

Laisser un commentaire

Entrez vos coordonnées ci-dessous ou cliquez sur une icône pour vous connecter:

Logo WordPress.com

Vous commentez à l'aide de votre compte WordPress.com. Déconnexion / Changer )

Image Twitter

Vous commentez à l'aide de votre compte Twitter. Déconnexion / Changer )

Photo Facebook

Vous commentez à l'aide de votre compte Facebook. Déconnexion / Changer )

Photo Google+

Vous commentez à l'aide de votre compte Google+. Déconnexion / Changer )

Connexion à %s