ملامح العشرية الجديدة

تدخل
الجزائر عشرية ثانية من القرن الجديد وهي تتساءل عما سيعترض طريقها في السنوات
القادمة، خاصة بعد أن ضيعت كثيرا من الوقت والفرص والطاقات خلال العشرية الماضية.
ويرتبط تطور البلاد خلال العشر سنوات القادمة بمعرفة ما حدث خلال العشرية الأولى،
التي تزامنت مع وجود الرئيس عبد العزيز بوتفليقة في السلطة.

وإذا
حاولنا أن نتعرف على الملامح الكبرى للعشرية القادمة، فإننا لا نجد الكثير من
دوافع التفاؤل، لأن نفس الأسباب تؤدي حتما إلى نفس النتائج. وإذا لم يتغير نظام
الحكم، ولم يتغير أهل السلطة، فإنه من المنتظر أن تواصل الجزائر على نفس الطريق
الذي سارت عليه منذ سنوات. ولا يكفي التأهل لكأس العالم لتغيير حصيلة ضئيلة جدا. وإذا
حاولنا أن نرصد ما حدث في البلاد، فإننا نلاحظ أن أبرز الأحداث كانت سلبية،
باستثناء التراجع الملحوظ في مستوى العنف بعد التدابير التي تم اتخاذها خلال
العهدة الأولى للرئيس بوتفليقة.

أما
أبرز الأحداث للعشرية الماضية، فإنها تنقسم بين فضائح ومبادرات فاشلة، إلى انتشار
عدد من الظواهر الفتاكة مثل انهيار المؤسسات والأخلاقيات، وتراجع هيبة الدولة،
وتكريس العنف كعامل أساسي لتنظيم العلاقات السياسية والاجتماعية، وانتشار الفساد
والتبذير. وأخطر من هذا كله، فإن الجزائر تظهر وكأنها مكتوفة الأيدي أمام هذه
الظواهر، عاجزة عن محاربتها، إلى أن أصبحت قضايا الرشوة تنشر في الجرائد ويعترف
مرتكبو الأعمال المخالفة للقانون، دون أن يؤدي ذلك إلى أي رد فعل من مسئولين
سياسيين ولا من المؤسسات المعنية بالقضية.

وشكلت
قضية "خليقة" قمة هذا الانهيار في الأخلاق والمؤسسات، حيث رأينا وزراء ومسئولين
في الدولة والنقابات والجمعيات والمؤسسات العمومية وهو يعترفون بتصرفات كنا نعتقد أنها
من احتكار عصابات المافيا. وإضافة إلى هذا الانهيار، تضاعفت الصدمة بسبب اعتقاد
الرأي العام أن العدالة لم تكن في المستوى، وأن هناك فئات وأشخاص فوق القانون.
وكانت لهذه القضية نتيجة مباشرة، تتمثل في القضاء على كل فكرة إقامة بنك جزائري
خاص، مما فتح المجال أمام انتشار البنوك الأجنبية التي كادت في ظرف قصير أن تتحكم
في الاقتصاد الوطني.

وتعاملت
الحكومة مع تلك البنوك الأجنبية مثلما تعاملت مع القرارات الاقتصادية، التي تأتي
عشوائية، تارة في اتجاه الشرق والتفتح للاقتصاد الأجنبي، مثلما حدث مع البنوك
وشركات الهاتف النقال التي تحصلت على تسهيلات هائلة، قبل أن تتراجع الحكومة وتجعل
منها العدو الذي يهدد البلاد.

وجاء
القرار والقرار المضاد من نفس الوزراء. وكانت أبرز المبادرات تنبع من ثلاثة أشخاص
لم يغادروا الحكومة وحواشيها خلال كل هذه المدة، وهم الوزير الأول أحمد أوحيى
ووزير الطاقة شكيب خليل ووزير الاستثمار عبدالحميد تمار. وحقق القوم معجزة كبرى،
حيث استطاعوا أن يمنعوا الجزائر أن تخرج من دائرة التخلف، رغم أن البلاد تكسب كل
عوامل النجاح، مع وجود أموال بالقدر الكافي، ووجود سوق واسعة، إلى جانب يد عاملة
تبحث عن التكوين والجدية.

وجاء
هذا الإخفاق الاقتصادي في مرحلة كان الخبراء ينتظرون من الجزائر أن تحقق نموا يفوق
عشرة بالمائة سنويا، لتنضم إلى ركب البلدان الناجحة. لكن ذلك يتطلب عددا من
الشروط، مثل وجود قواعد قانونية واقتصادية واضحة تنطبق على الجميع، ليعرف المستثمر
والمستهلك والعامل ماذا سيكون مصيره.

واليوم
نتساءل عن العشرية القادمة: هل ستتوفر هذه القواعد خلال السنوات القادمة لتسمح
للجزائر أن تخرج من قائمة البلدان التي تدور في حلقة مفرغة؟ هل ستستطيع الجزائر أن
تضمن ارتفاع صادراتها من غير المحروقات بمليار دولار سنويا، لتصل إلى عشرة مليار
دولار سنة 2020؟

إن
الوصول إلى هذه الأهداف يفترض تغيير القواعد المعمول بها في الميدان الاقتصادي. وتغيير
القواعد الاقتصادية يتطلب تغيير القواعد السياسية، وهذا غير وارد، ولا توجد مؤشرات
توحي أن ذلك ممكن في السنوات القادمة. عكس ذلك، تشير كثير من المعطيات إلى أن عهد
التسيير العشوائي سيتواصل. وضاعت فرصة كبرى عند انتهاء العهدة الثانية للرئيس
بوتفليقة، حيث كان أمامه خيار تاريخي، يتمثل في الانسحاب وإقامة قواعد جديدة شفافة
في الوصول إلى السلطة وممارستها. لكنها اختار البقاء، مما يمنع البلاد من إقامة
نظام يضمن التقدم الاقتصادي والاجتماعي.

وستكون
النتيجة قاسية عند الحصيلة الأخيرة، يوم انتهاء العهدة الرابعة للرئيس بوتفليقة، لما
نجد أن الجزائر تقدمت خطوة واحدة بدل خمس خطوات… وأن دخلها القومي ارتفع بنسبة
مائة بالمائة بدل أن يرتفع بنسبة أربعمائة بالمائة في عهد الرئيس بوتفليقة…

Article précédent
Poster un commentaire

Votre commentaire

Entrez vos coordonnées ci-dessous ou cliquez sur une icône pour vous connecter:

Logo WordPress.com

Vous commentez à l’aide de votre compte WordPress.com. Déconnexion /  Changer )

Photo Google

Vous commentez à l’aide de votre compte Google. Déconnexion /  Changer )

Image Twitter

Vous commentez à l’aide de votre compte Twitter. Déconnexion /  Changer )

Photo Facebook

Vous commentez à l’aide de votre compte Facebook. Déconnexion /  Changer )

Connexion à %s