عن محي الدين عامر: تواضع كلمة الحق

عرفته صادقا، أمينا، وفيا.  كان محي الدين عامر صادقا في كتاباته لما تعرفت عليه في جريدة "المساء" نهاية الثمانينات. كان يقوم بعمل صحفي يذكر فيه الوقائع كما هي، لا كما كانت تريدها حكومة الحزب الواحد أو السلطة القائمة. وكان أمينا لأنه كان يعتر أن المواطنين الذي يلتقيهم، خاصة منهم الضعفاء والبؤساء، كان يعتبر أن ما يقولون له أمانة يجب عليه أن يبلغها للقارئ. وكان وفيا لأنه لم ينس الوسط الاجتماعي المتواضع الذي عاش فبه، فكان يقوم بتحقيقات في قرى وأماكن لم يزرها صحافي من قبل ولم يسمع بوجودها أي مسئول.

وفتحت هذه الصفات بابا كبيرا للصداقة التي ربطتنا في فترة أساسية من حياتنا، تلك الفترة التي كنا نحلم بالحرية، ونؤمن بالدور النبيل للصحافة، ونعتز بكبرياء الجزائر. وقضينا عهدا نتقاسم أحلاما كنا نمجد فيها الصداقة والتضامن والشعر وجميل الكلام، ونتحدث كثيرا عن ميولنا المشترك تجاه الفقراء والضعفاء. وكانت تجمعنا فكرة وهي قول الحق واحترام النزاهة والإنصاف في العمل الصحفي.

وأشهد اليوم أن محي الدين عامر كان أحيانا يحن إلى جريدته أكثر مما يحن إلى أولاده، ويفكر في الافتتاحية أكثر مما يفكر في زاد بيته. وإني أشهد أنه لم يتردد في استعمال مال أبنائه لتسديد بعض مصاريف الجريدة، كما أنه لم يبخل جهدا رغم أنه أكبرنا سنا يوم كنا نبني ما كنا نعتبره أكبر حلم في حياتنا.

وأذكر أني كنت أمام لغز دائم، لم أجد له حلا إلى اليوم. :كنت ألقاه، هو والمرحوم عمر ورتيلان، كنت ألقاه في الجريدة في أية لحظة وكل ساعة. وقد سبق لي أن انتقلت، لسبب أو آخر، إلى مقر الجريدة على الساعة الثالثة صباحا أو الخامسة صباحا أو بعد الظهر، فأجدهما في مقر الجريدة، يبحثان عن الخلل الذي يجب ترقيعه، أو الخطأ الذي يجب تصحيحه. وكنت أغادر الجريدة في وقت متأخر، وأتركه في مقر العمل، وأعود باكرا، فإذا به وصل قبلي، قادما من مدينة العفرون… ومازلت أسأل إلى اليوم: كيف كان يفعل، هو وعمر ورتبلان؟

ولم أشهد للسيد محي الدين عامر أبدا أنه رفع صوته، أو أنه خرج عن قواعد الأخلاق واللياقة. وكان الحياء من سماته الأساسية، حتى تحول تواضعه إلى "حشمة"، فرفض أن يكون نجما في الصحافة، إلا أنه كان يقوم بالعمل القاعدي الذي لا يمكن لأية مؤسسة أن تقوم دونه.

ولم يخلو محي الدين عامر من التناقض الذي يسكن كل صحافي، فقد كان من جهة يؤمن أنه يمكن للصحافي أن يؤثر على الأحداث، وأن يغير مجراها، لكنه كان في نفس الوقت، بفضل تكوينه في علم الاجتماع، يعرف أن الظواهر الاجتماعية تفرض منطقا آخر. فكان يؤمن أن دور الصحافي يتمثل في دفع المجتمع إلى أعلى، لكنه كان يعرف أن المرحلة التاريخية التي نعيش تجذب الجزائر إلى الأسفل. وكان يقول أن تلك مرحلة وستنتهي، فكان يتلقى الأخبار السارة بابتسامة، ويتلقى الفاجعة بصبر أهل البادية. وكان يتألم في صمت لا مثيل له لما كانت الجزائر تحترق، فيحاول أن يغطي ألمه بكلام استهزاء، فتخرج منه الكلمات في غير محلها، فيعود إلى صمته…

وأذكر أننا كنا نلتقي لمدة ساعات طويلة، لا نتكلم إلا القليل، لكننا نعرف أننا نتقاسم نفس الشعور ونفس الأفكار. وأدركت يومها أني عرفت صحفيا، فأصبح صديقا، ثم أخا، سأواصل معه الحديث عن قيمة قول الحق يوم نلتقي في دار الحق.

Publicités
Poster un commentaire

3 Commentaires

  1. mahmoud

     /  13 février 2010

    فقدنا أحد المهنيين الطيبين فقدت الصحافة الجزائرية عامر محي الدين، المدير العام السابق لجريدة "الخبر"، الذي توفي يوم الجمعة بعدما صراع مع مرض عضال. نسأل له الرحمة وجنة الرضوان، أخلص التعازي لعائلته والزملاء في "الخبر". لقد فقدنا أحد الطيبين والمهنيين، وهو الذي كان له مشوار طويل وشاق في مهنة المتاعب. من الوفاء أن أذكر خصال الرجل. لقد كان ثاني شخص إلتقيت به في جريدة "الخبر"، بعد الشهيد عمر أورتيلان، ذات نوفمر من عام 1990 عندما قصدت الجريدة طلبا لفرصة عمل. كنا نحلم آنذاك أن يفتح لنا الباب فقط كي نفرغ شحنة الكتابة، أن نجد مسؤولا في جريدة يقابلنا بابتسامة ويقول لنا: هيا سأمنحكم فرصة كي تجربوا وتختبروا قدرتكم على العمل في الصحافة. وبالفعل؛ بعد ترحاب المرحوم عمر أورتيلان، قادنا إلى عامر محي الدين، الذي كان آنذلك رئيسا للقسم الوطني. سألنا بصوت خافت يعكس تواضعه واحترامه لنا حتى وإن كنا لا نزال طلبة: "هل لديكم قدرة على التحرير الصحفي..؟" قلنا: ".. سنحاول إذا ما منحتمونا الفرصة". حينها قال لنا: "يالله، بإمكانكم الكتابة من اليوم، نحن بحاجة إلى عناصر في القسم الوطني، نريد أخبار، المهم نريد منكم صياغة أخبار.. لكن بشرط أن تراعوا المقاييس التالية: السرعة، الدقة والموضوعية" لازلت أتذكر العبارات الثلاث. كان ذلك اللقاء في مقر "الخبر" بدار الصحافة أول ماي نقطة البداية لي كصحفي. كانت لي فرصة الاحتكاك به، رفقة زملاء آخرين في "الخبر"، ولا زلت أذكر مهارة الرجل في التحرير، حيث يملك قدرة خلاقة على صياغة الخبر الصحفي بأسلوب بسيط ومباشر، أو "الأسلوب البرقي" كما يسميه العاملين في وكالات الأنباء، وبخط الرقعة العربي الجميل، الذي يعطيك رغبة في القراءة، ويسهل عليك الفهم. طيلة السنوات التي عرفت فيها عامر محي الدين، لم أر منه إلا التواضع وحسن الخلق واحترام الناس. كنا نفرح للقائه في التغطيات لما انتقل للعمل في وكالة الأنباء الجزائرية لأنه بلقائه سنقضي أوقاتا ممتعة سويا كون النكتة والدعابة لا تفارقه، وكون النقاش معه مثير وممتع في قضايا السياسة والتاريخ وحتى الفقه. لقد حصل لي العمل مع "حاجي"، كما كنا نسميه، لما عين مديرا لـ"الخبر" قبل سنتين. كنت حينها نائبا لرئيس التحرير. وبقي الرجل على تواضعه وأخلاقه واحترامه لنا، فكان لا يقدم على قرار إلا بعد مشورة لهيئة التحرير. ينتابني حزن عميق وأنا أكتب هذه الكلمات من واشنطن لأودع عزيز علينا تقاسمنا، لبعض السنوات، قساوة مهنة المتعاعب في جزائر كانت عرضة للتسلط والقمع والإرهاب والحقرة بشتى أنواعها، لأننا نخسر سنويا أقلاما ومهنيين قدموا الكثير من أجل أن تتجاوز الجزائر حالة الوهن والتخبط التي هي عليها، لكن في كل مرة نكتشف أن الجزائر تغرق في الفوضى والرشوة واللاحكم، وأن الحريات سيما حرية الصحافة تتراجع، وتضحيات الناس ذهبت سدى. لكن أنا أؤمن بأن هذه الوضعية ليست حتمية ويمكن تجاوزها. محمود بلحيمر

    Réponse

Laisser un commentaire

Entrez vos coordonnées ci-dessous ou cliquez sur une icône pour vous connecter:

Logo WordPress.com

Vous commentez à l'aide de votre compte WordPress.com. Déconnexion / Changer )

Image Twitter

Vous commentez à l'aide de votre compte Twitter. Déconnexion / Changer )

Photo Facebook

Vous commentez à l'aide de votre compte Facebook. Déconnexion / Changer )

Photo Google+

Vous commentez à l'aide de votre compte Google+. Déconnexion / Changer )

Connexion à %s