رموز جديدة لعهد جديد

من حق الشباب أن يحلم، ويخترع رموزا جديدة.

عابد شارف

إنه استطاع أن يجمع بين المواطن العصري والجزائري التقليدي، وبين اللائيكي والمتدين المعتدل وحتى الأصولي السلفي. واتفق حوله كل من الرجل العصري الذي يؤمن بحرية المرأة، والزوج التقليدي المتمسك بالأعراف، والذي مازالت زوجته ماكثة في البيت لأنه يعتبر أن عمل المرأة عار. ومن أجله، لم تتردد الفتاة التي ترتدي حجابا أن تخرج إلى الشارع وتغني وترقص وسط الشباب دون أن يغضب لذلك أحد. وللتعبير عن الفرحة، قامت العائلة بأكملها بمبادرات لم يسبق لها أبدا أن عرفتها في الماضي، مثل الذهاب إلى ملعب كرة القدم بصفة جماعية، مع العلم أن ملعب كرة القدم يشكل عند كثير من الآباء وكرا للعنف والهوليغان.

إنه الفريق الوطني لكرة القدم، ذلك الكيان الغريب الذي دفع بفتاة عاقلة رزينة إلى تبديل حجابها بعلم وطني، وخمارها بقطعة ملونة تحمل الأخضر والأحمر والأبيض، ضربت عرض الحائط كل ما يقال عن الحجاب العصري والحجاب الشرعي. أما الأب، فإنه لم يفكر أبدا قبل ذلك اليوم أنه سيجد نفسه في ملعب 5 جويلية رفقة زوجته ليغني ويصفق ويصرخ ويفرح أمام مرأى العالم.

وبينما عجزت الحكومة والأحزاب والنقابات وكل التنظيمات السياسية وغير السياسية عن لم شمل الجزائريين وعن تنظيم تجمعات يشارك فيها المواطنون بكثرة، توجه مئات الآلاف من المواطنين إلى ملعب كرة القدم لمتابعة الفريق الوطني. واجتمع الغني والفقير إلى جانب أهل المدينة وسكان الريف، اجتمعوا من أجل مشاهدة فريقهم، وشاركوا في ازدحام كبير، وواجهوا الجوع والعطش، وصبروا أكثر من عشر ساعات في مدرجات باردة ليحضروا العرض.

 واكتشفت الجزائر يومها صورة غريبة للوطنية ورموزها. ووجد الجيل الأول نفسه أمام ظاهرة غريبة لما رأى أن الشاب الذي لا يعرف من هو العربي بن مهيدي، ولا يتكلم عن فكرة الوطنية إلا بسخرية، رأى أن هذا الشاب أصبح يحمل العلم الوطني ويسافر إلى الخرطوم لمواجهة الأعداء ويتكلم بعزيمة كبرى عن الكرامة وعزة الوطن ضرورة مرافقة الفريق الوطني مهما كانت الظروف، لأن هذا الفريق يحمل الألوان الوطنية.

وكان الشباب في ماض قريب يرمز إلى البطالة و"الحرقة"، وإلى مختلف الظواهر التي تسمى بالآفات الاجتماعية. ومن عشية إلى ضحاها، اكتشف ذاك الشباب قضية جديدة فتحت له الباب للتجند بطريقته الخاصة ويعمل من أجل حماية قضيته الجديدة. ومهما كانت تلك القضية، فإنها تشبه "يدا من خلال الموج مدت لغريق"، فتمسك بها الشاب وأراد أن يصنع لها أمجادا. واستعاد ذاك الشباب بعض القيم التي كان الخطاب السائد يظن أنها ضاعت منه، وأصبح ذاك الشباب يتكلم عن كرامة الوطن وشماخة تاريخه، وأصبح الشباب يتألم لما يسمع ما يقال في القنوات المصرية عن شهدائه ومجاهديه. وحدث ذلك كله أمام دهشة الجيل الأول الذي لم يفهم جيدا كيف يمكن لكرة القدم أن تصبح رمزا للوطنية…

وما حدث يرمز في الحقيقة إلى كل التقلبات التي تحدث في الجزائر وفي العالم بصفة عامة. والشباب الجزائري يبحث اليوم عن رموز جديدة تكون في متناوله، يستطيع أن يعبر من خلالها عن أحلامه، ويبني مستقبله بالتركيز عليها. وتختلف رموز الأجيال الجديدة جذريا عن الرموز القديمة، مما يؤدي إلى ظاهرة غريبة أخرى، حيث لا الجيل الأول يفهم رموز الجيل الجديد، ولا الجيل الجديد يحترم رموز الجيل الأول. والجيل الجديد لا يكاد يعرف من هو سي محمد بوقرة، بطل الجيل الأول، لكن يعتبر مجيد بوقرة أكبر أبطاله، لا لأنه لاعب ماهر فقط، بل لأن بوقرة الجديد أعطى الشباب فرصة لاستعادة كرامته وأعطاه مبررا للافتخار بحاضره وماضيه.

وللمرة الأولى يجد الشباب منفذا يسمح لهم بصنع أبطاله. وبعد أن كان الشاب ممنوعا من العمل السياسي والنقابي، وبعد أن انغلقت أمامه الأبواب التي تسمح لهم من اكتشاف العالم، بعد كل هذا، جاء الفريق الوطني ليعطي حجة تسمح بالتعبير الحر عن كل المشاعر، بل أصبحت ملاعب كرة القدم تشكل الساحة الوحيدة التي يمكن التعبير فيها عن كل المشاعر، القانونية منها والممنوعة.

والحقيقة أن ما يحدث اليوم ليس جديدا ولا يشكل نادرة في تاريخ الأمم. إن ما يحدث في الجزائر مع هذا التلاحم بين الشباب والفريق الوطني يؤكد شيء عاديا جدا: إنه يوضح أن الشباب يبقى أهم طاقة في المجتمع، وهو مستعد للانضمام إلى أية مبادرة أو مغامرة. وإذا وجد الأبواب مفتوحة للمشاركة في مشروع كبير، فإن الشباب أول ضمان لنجاح ذلك المشروع. لكنه إذا وجد الأبواب مغلقة مثلما هو الحال في الجزائر، فإن الشباب أول طاقة يتم استعمالها لحرق البلاد وتحطيمها. ولاعب كرة القدم يبقى اليوم رمزا أفضل من ابن لادن ومن بوجرة سلطاني وأحمد أويحيى، في انتظار ظهور رموز أخرى أكبر وأحسن من "ماجيك" بوقرة.

Publicités
Poster un commentaire

3 Commentaires

  1. mahmoud

     /  8 mars 2010

    I agree with you hundred pourcent abed.

    Réponse
  2. moi

     /  10 mars 2010

    في بداية التسعينات كانت الملاعب منبر للحزب الحاضر المغيب -و كانت الهتافات جيش شعب معاك …… و كانت مختلطة ذكرا و أنثى و لم يقال إن صوت الأنثى عورة و اليوم هو إعادة لماضي قريب . . و لا اضن ان الشاب الجزائري المولود مع الازمة او الدي عايش الازمة يثق في اي خطاب مهما كان صدق الخطاب و مهما كانت نزاهة المخاطب لكون الضمير الجماعي يحتضن الخيانات و التراجعات و المراجعات التي انطلقت قبل الاستقلال و تعمقت بعده و تجسدت إبان انفتاح 1988-1989- .د

    Réponse

Laisser un commentaire

Entrez vos coordonnées ci-dessous ou cliquez sur une icône pour vous connecter:

Logo WordPress.com

Vous commentez à l'aide de votre compte WordPress.com. Déconnexion / Changer )

Image Twitter

Vous commentez à l'aide de votre compte Twitter. Déconnexion / Changer )

Photo Facebook

Vous commentez à l'aide de votre compte Facebook. Déconnexion / Changer )

Photo Google+

Vous commentez à l'aide de votre compte Google+. Déconnexion / Changer )

Connexion à %s