نساند الخضر أو عمال الحجار؟

الإضراب في مركب الحجار شيء عادي… أما الإضراب خلال منافسات كأس العالم فذاك غير مقبول، لأنه لا يمكننا أن نساند الخضر وعمال الحجار في نفس الوقت…

عابد شارف

دخل عمال مصنع الحجار في إضراب جديد منذ الاثنين الماضي. ومن المفروض ألا تثير العملية الاحتجاجية صدى كبيرا، لأن المؤسسات الجزائرية تعاني من هذه الظاهرة يوميا. لكن الإضراب يختلف هذه المرة. إنه يتجاوز طابع العمل الاحتجاجي، ليعطي صورة عن التناقضات التي يعاني منها المجتمع الجزائري. ومع هذا الإضراب، تظهر هشاشة المؤسسات الجزائرية المكلفة بتسيير ملفات كبرى. ويمس الإضراب رمزا من الرموز التي كانت تحمل آمال الجزائر في السبعينات، قبل أن تظهر رموز جديدة لتقضي عليها.

وأول الرموز التي تتعلق بالإضراب هو الحجار نفسه. لقد كان مصنع الحجار رمزا لطموحات الجزائر في عهد هواري بومدين، وأحد أكبر المشاريع التي كان يراد منها أن تسمح للبلاد أن تدخل عالم الصناعة. وكان الحجار مفخرة للجزائر خلال مدة طويلة، قبل أن تستولي عليه قوة قضى هواري بومدين جزء من حياته في محاربتها، وهي الشركات الكبرى. ويتعلق الأمر بشركة "أرصيلور ميطال" Arcelor Mittal لصاحبها الهندي لاشكي ميطال، وهي الشركة التي يبلغ رقم أعمالها المنتوج الوطني الخام لبلد مثل تونس.

ومنذ استلائهم على الحجار، قام إطارات المؤسسة الهندية بتغيير جذري في طبيعة وأهداف المصنع. وقد كان أصحاب المشروع الأصليون يريدون من الحجار أن يتحول إلى قاطرة تدفع كل المنطقة إلى الصناعة، وتضمن التشغيل لآلاف العمال، لتصبح قوة اقتصادية وسياسية. أما إطارات "أرصيلور ميطال"، فإنهم حولوا المصنع إلى مصدر للإنتاج والأرباح، بعد عملية إعادة تنظيم كبرى دفعتهم إلى التخلي عن نصف العمال الأصليين. ويتكون طاقم الشركة حاليا من إطارات جاؤوا من مدارس "وال ستيريت" Wall Street، هدفهم الأساسي تحسين أرباح الشركة ورفع قيمتها في البورصة.

وتواجههم نقابة لم تتخلص بعد من التسيير الاشتراكي لمؤسسات، حيث مازالت تطالب بالمشاركة في التسيير وتحديد الأهداف وفرض حجم الاستثمارات. ومازالت تلك النقابة تعتقد أن ممثل شركة "أرصيلور ميطال" يخضع للوالي، وأن فيدرالية الحديد التابعة للاتحاد العام للعمال الجزائريين تشكل قوى ضاربة يمكن لها أن تواجه صاحب الشركة الهندية.

ومن جهة أخرى، فإن الشركة الهندية دخلت العولمة من بابها الواسع، حيث أن صاحبها جاء من الهند ليستقر في لندن ويشتري المصانع القديمة في البلدان الشرقية ليبني إمبراطورية صناعية. وفي المقابل، مازالت نقابة الحجار تتعامل مع الوضع مثلما كانت تفعل مع المؤسسات العمومية التي تتلقى تعليماتها من الوالي.

وكانت شركة "أرصيلور ميطال" قد تحصلت على مصنع الحجار في مرحلة كانت الحكومة الجزائرية تبيع كل ما يمكن بيعه، وكانت النقابة التي ينتمي إليها المضربون تساند الحكومة التي قامت بالخوصصة، وهي نفس الحكومة التي تقوم اليوم بتسيير شؤون البلاد. ولا تعرف النقابة اليوم هل أن الحكومة حليفة لها في مواجهة الشريك الخارجي أم أنها متواطئة معه؟

وعلى صعيد أوسع، تمكنت "أرصيلور ميطال" أن تجعل من مصنع الحجار مؤسسة رابحة بعد التغييرات الجذرية التي قامت بها. ومثلما يحدث مع الشركات الأخرى العاملة في ميدان الأشغال العمومية والهاتف النقال والنقل وغيره، فإن ألشركة الهندية بدأت تحصل على أرباح ضخمة تقوم بتحويلها إلى الخارج، وذاك طبيعي بالنسبة لها، لكنه يثير غضب العمال الذين يعتبرونه ظلما في حقهم لأن نفس الشركة ترفض أن تقتسم معهم الأرباح…

ولا نعرف من المذنب في هذه القضية. هل هي الحكومة التي تنازلت عن المصنع، وتركت نقابة مسكينة في مواجهة إحدى أكبر الشركات العالمية؟ أم هل أن شركة "أرصيلور ميطال" هي المذنبة لأنها لا تراعي المصالح الوطنية ؟ أم هل أن النقابة هي المذنبة، لأنها قامت بإضراب خلال منافسات كأس العالم لكرة القدم؟

Article précédent
Poster un commentaire

Votre commentaire

Entrez vos coordonnées ci-dessous ou cliquez sur une icône pour vous connecter:

Logo WordPress.com

Vous commentez à l’aide de votre compte WordPress.com. Déconnexion /  Changer )

Photo Google

Vous commentez à l’aide de votre compte Google. Déconnexion /  Changer )

Image Twitter

Vous commentez à l’aide de votre compte Twitter. Déconnexion /  Changer )

Photo Facebook

Vous commentez à l’aide de votre compte Facebook. Déconnexion /  Changer )

Connexion à %s