دكتوراه في سوء التسيير

دكتوراه في سوء  في 13 ديسمبر 2010، قطع الوزير رشيد حراوبية مرحلة جديدة في إطار ما يسميه إصلاح الجامعة. وجاء ذلك على شكل مرسوم رئاسي لتنظيم الشهادات الجامعية، خاصة منها الشهادات التي يتحصل عليها طلبة المدارس العليا. وقال الوزير أن هذا القرار يعطي كل ذي حق حقه، بينما اعتبر الطلبة أنه خطير ومجحف بالنسبة إليهم… لكن ليس مهما هنا أن نعرف هل أن القرار كان جادا أم أنه ظالم بالنسبة للطلبة. إنما ما يلفت الانتباه هو ما ترتب عن هذا القرار من أحداث وإضرابات وضياع للوقت وانهيار للمؤسسات. فبعد صدور المرسوم مباشرة، حاول الطلبة أن يحتجوا، لكن صوتهم لم يكن مسموعا، فتجاهلتهم الوزارة، وواصلت تطبيق القرار دون أن تلفت تأخذ مطالبهم بعين الاعتبار. وبعد شهر، تغيرت الأوضاع في البلاد. وجاءت أحداث تونس ثم مصر. ووقعت في الجزائر أحداث بداية السنة، لما خرج الآلاف من الشباب في عمليات احتجاج وتخريب عشوائية زعزعت السلطة في قناعاتها. ولما امتدت الاحتجاجات في الخارج إلى ليبيا واليمن والأردن والمغرب، وهددت الظاهرة باجتياح الجزائر، ولما اتضح أنه من الممكن أن يخرج احتجاج الطلبة إلى الشارع، ويشكل نقطة انطلاق لموجة جديدة من أعمال العنف المظاهرات، قررت الحكومة أن تلغي قرار الوزير حراوبية، لا قناعة أن هذا القرار غير ملائم، لكن لأن الظروف السياسية والاجتماعية لا تسمح باتخاذ مثل هذا القرار… ولما جاء قرار مجلس الوزراء الذي يلغي قرار الوزير حراوبية، اكتشف الطلبة أنهم قادرون على تهديد الحكومة، وفرض كل ما يريدون عليها. فاجتمع الطلبة وقرروا مواصلة الإضرابات لأسباب ثانوية. وقال الطلية: ليست لنا ثقة في الحكومة ولا في مجلس الحكومة، إنما نريد قرارا جديدا يلغي القرار الأول، ونريد أن نراه في الجريدة الرسمية قبل أن نعود إلى الدراسة. وفي محاولة أخيرة لوضع حد للإضراب، تم تنظيم « نقاش » في التلفزيون، شارك فيها ممثلون عن الوزارة والجامعة وطلبة لا نعرف كيف تم اختبارهم. وأثناء النقاش في التلفزيون، وجد الطلبة أنفسهم في مواجهة مع مسؤولين كبار، يتحكمون في الأرقام والمفاهيم، ويتكلمون بإسهاب عن منجزاتهم، فتحولت الجلسة إلى « كل شيء على ما يرام والحكومة تتكفل بكل متطلباتكم ومطالبكم »… لكن فورا بعد انتهاء الحصة، تجمع الطلبة في الكليات واعتبروا الحصة التلفزيونية إهانة لهم ومراوغة جديدة، وجعلوا منها حجة جديدة لمواصلة الإضراب… ومن يريد أن يفهم مسلسل الأحداث هذه يستغرب أمام سلسلة الأخطاء المتتالية التي ارتكبتها الحكومة في قضية بسيطة. فقد اختارت الوزارة أن تتخذ قرارها دون استشارة الطلبة، ودون إقناعهم. وهذا لا يعني أن قرار الوزارة سلبي بالضرورة، بل يمكن أن يكون إيجابيا ومفيدا، ويمكن أن يكون الطلبة على خطأ. لكن تصرف الحكومة دفعها إلى قتل قرار أساسي في تنظيم الجامعة. كما أن هذا التصرف يمنع أي وزير في المستقبل أن يطرح هذا القرار مجددا، لأن الطلبة سيعيدون الكرة بعدما اكتشفوا أن الوزارة ستتراجع إذا هددوها باللجوء إلى الشارع. وتكون الحكومة قد كرست بذلك سياسة جديدة تتمثل في اتخاذ القرارات بصفة ملتوية، وفرضها إذا لم يتجند الطلبة ضدها، والتراجع إذا كان الظرف السياسي لا يسمح بذلك… وبهذا التصرف، فإن الوزارة تدفع الطلبة إلى اتخاذ يضر بمصالحهم. وجاء مثلا في لائحة الطلبة تسهيل شروط الحصول على الماستر والدكتوراه، وهو ما يضر بقيمة هذه الشهادات التي تراجعت قيمتها بشكل ملحوظ. وإضافة إلى ذلك، فإن الكل يعرف أن السنة الجامعية في الجزائر ناقصة كما وكيفا، حيث أن مستوى الدراسة ضعيف، وأن السنة تقتصر على أقل من ثلاثين أسبوعا، بينما تمتد السنة إلى ما يقارب الأربعين أسبوعا في الجامعات الكبرى في البلدان الغربية. لكن هذه النقاط تبقى خارج اهتمام الوزارة والطلبة. ويتضح من كل هذا أن القرار في الجامعة لا يأتي بناء على قواعد بيداغوجية وعقلانية، إنما يخضع القرار للظرف السياسي، ولميزان القوى في الشارع. ولعل هذا ما يفسر لنا كيف تم منح شهادة دكتوراه شرفية من جامعة الجزائر للزعيم الليبي معمر القذافي… دكتوراه في العلوم السياسية. نعم سيدي، في العلوم السياسية…

Publicités
Poster un commentaire

Laisser un commentaire

Entrez vos coordonnées ci-dessous ou cliquez sur une icône pour vous connecter:

Logo WordPress.com

Vous commentez à l'aide de votre compte WordPress.com. Déconnexion / Changer )

Image Twitter

Vous commentez à l'aide de votre compte Twitter. Déconnexion / Changer )

Photo Facebook

Vous commentez à l'aide de votre compte Facebook. Déconnexion / Changer )

Photo Google+

Vous commentez à l'aide de votre compte Google+. Déconnexion / Changer )

Connexion à %s