الثورة تكتشف الشوك تحت الياسمين

عابد شارف

عادت تونس إلى الاضطرابات مع بداية الشهر الجاري، واضطرت الحكومة إلى فرض حضر التجول في العاصمة وضواحيها بعد المواجهات العنيفة التي عاشتها المدينة هذا الأسبوع. ومع عودة العنف، خرجت البلاد من النشوة التي سادت منذ انتصار « ثورة الياسمين » على الرئيس الأسبق زين العابدين بن علي. واضطر المتعاملون السياسيون إلى مواجهة المجتمع التونسي بكل طاقاته ونقاط ضعفه، مع رغبته في التغيير وفرض احترام كرامة المواطنين من جهة، وكذلك هشاشة الموقع التونسي بسبب تبعيته الاقتصاد وضعف مؤسساته وانعدام التقاليد السياسية من جهة أخرى. واكتشف التونسيون أن مصيرهم مرتبط بمحيطهم الدولي حيث أنه لا يمكن فصل مستقبل تونس عن مصير البلدان المجاورة مثل الجزائر وليبيا ومصر.

وفرض هذا الوضع الجديد استفاقة صعبة بعد أن كان التونسيون يعيشون في حلم دام أشهرا طويلة. وكان التونسيون يعتقدون أن كل شيء أصبح ممكنا منذ أن غادر الرئيس ابن علي البلاد، وكان يكفيهم أن ينظموا مسيرة ليسقط وزير، ويكفيهم أن ينظموا جمعية عامة أو إضرابا ليسقط والي أو مدير جريدة. واعتقد التونسيون أنهم اخترعوا الثورة، وأنهم أنجزوا شيء لا يمكن أن يحدث ثانية في العالم، وصفق لهم العالم كله، وحتى القوى الكبرى فإنها وجدت نفسها مضطرة للتصفيق رغم أنها لا تحب عادة الثورات الشعبية وتعادي نزول السياسة إلى الشارع.

وفجأة، اكتشف التونسيون بداية هذا الشهر أن الثورة لم تنته بعد، بل أن ما تم إنجازه لا يشكل إلا القليل، وليس إلا مقدمة للثورة الحقيقية، خاصة وأن المشاكل قد تراكمت، ولأن الثورة عادة ما تتميز في مراحلها الأولى بجوانبها السلبية من عدم استقرار وتراجع الأمن وانهيار الاقتصاد، قبل أن تفتح المجال للتقدم والازدهار ويتمكن المواطن من جني ثمار الثورة. وفعلا، فقد تراجع الاقتصاد التونسي، خاصة وأنه يعيش من السياحة التي لا تحتمل عدم الاستقرار، كما يعيش من التعامل مع الخارج في مرحلة تتميز بالأزمة الاقتصادية وتراجع الطلب عن المنتوج التونسي. وعرفت البلاد أزمة مالية خانقة دفعت السلطات التونسية إلى الاستعانة ببعض الأصدقاء لتجاوز الأزمة.

لكن كل هذا كان منتظرا، ومن حق أي شعب عاش ما كانت تعاني منه تونس في زمن ابن علي أن يدخل مرحلة من الفوضى والاضطرابات بعد الإطاحة بتلك السلطة. وهذا ما عاشته الجزائر بعد أحداث أكتوبر 1988، وقد عبر عنه بصدق ذلك المواطن التونسي الذي قال « هرمنا في انتظار هذه اللحظة التاريخية »…

لكن المشكل الحقيقي في تونس يكمن في طريقة تسيير المرحلة الانتقالية، والتسرع الذي تميزت به قرارات الحكومة لمواجهة غليان الشارع. وظهرت الحكومة وكأنها تبحث فقط عن طريقة للصمود أمام ضغط الشارع، دون التفكير الجدي في أجندة سياسية للأمد المتوسط والبعيد. وفي هذا المجال، قررت الحكومة انتخاب مجلس تأسيسي في 24 جويلية القادم، وكلفت لجنة انتخابية بتحضير هذه المهمة المصيرية بالنسبة لتونس.

ومن الواضح أن هذه المهلة ليست كافية لتنظيم انتخابات مقبولة في تونس، لأن كل ما سيتغير في المرحلة بين سقوط ابن علي والانتخابات يقتصر على نقطتين: تدمير جزئي لجهاز حزب التجمع الدستوري الديمقراطي الذي كان يحكم البلاد من جهة، وإعادة الاعتبار لحزب النهضة الإسلامي من جهة أخرى. أما التركيبة العامة للمجتمع التونسي، بإدارته واقتصاده وشبكاته، فإنها تبقى قائمة دون أن يكون المجال كافيا لظهور مؤسسات وشبكات جديدة يمكن أن تتكفل بالمجتمع.

ويشكل هذا الوضع قنبلة موقوتة مزروعة في الساحة السياسية التونسية. فرغم تصريحات قادة « النهضة » لتهدئة الوضع وكلامهم عن رفضهم الاستيلاء على السلطة، فقد قال وزير الداخلية السابق أن البلاد مقبلة على انقلاب لأن الوضع الحالي في تونس سيؤدي إلى تسليم السلطة للنهضة عن طريق الانتخابات، وهو ما ترفضه المنظومة العسكرية والأمنية في تونس. وبعبارة أخرى، فإن الكل أصبح يخشى إعادة التجربة التي عاشتها الجزائر سنة 1992…

ويبدو أن الوزير الأول التونسي باجي قايد السبسي قد أدرك خطورة هذا الوضع، حيث تكلم عن احتمال تأجيل الانتخابات، خاصة وأن تونس توجد في وضع صعب جدا وسط محيط دولي غير ملائم. ويعود ذلك إلى عدم تحكم تونس في عدة عوامل لها أثر مباشر على مستقبلها، وعلى رأسها موقف البلدان التي لها تأثير على تونس. ونذكر مثلا أن الأمور في تونس ضاعت من أيدي فرنسا لكن باريس تريد أن تحافظ على مصالحها القوية في تونس، بينما دخلت الولايات المتحدة الساحة بقوة لتجرب سياسة جديدة سواء في علاقاتها مع الإسلاميين أو مع الشعوب العربية. أما ليبيا التي من المفروض أن تشكل أرضية اقتصادية ترتكز عليها تونس، فإنها تعيش حربا أهلية، في حين أن الجزائر ظهرت وكأنها لا تعرف كيف تتعامل مع الوضع الجديد في تونس.

Publicités
Poster un commentaire

Laisser un commentaire

Entrez vos coordonnées ci-dessous ou cliquez sur une icône pour vous connecter:

Logo WordPress.com

Vous commentez à l'aide de votre compte WordPress.com. Déconnexion / Changer )

Image Twitter

Vous commentez à l'aide de votre compte Twitter. Déconnexion / Changer )

Photo Facebook

Vous commentez à l'aide de votre compte Facebook. Déconnexion / Changer )

Photo Google+

Vous commentez à l'aide de votre compte Google+. Déconnexion / Changer )

Connexion à %s