بوتفليقة « يحكم بأحكامه »

عابد شارف

تزامن الحوار الذي بدأ منتصف الشهر الماضي في الجزائر مع تسرب أخبار وتحاليل متعددة تهدف إلى تحديد ملامح المرحلة السياسية القادمة. وجاءت هذه التحاليل متكاملة، تشير في مجملها إلى أن الرئيس عبد العزيز بوتفليقة رجل بريء، لا يحب السلطة، لكن المكتوب سلطها عليه، فاضطر إلى ممارستها، على حساب الجيش الذي تحول إلى مؤسسة لا حول ولا قوة لها، تكتفي بتطبيق أوامر رئيس الجمهورية.

ويؤكد أنصار رئيس الجمهورية أن السيد بوتفليقة أصبح لا يرغب في ممارسة السلطة إطلاقا. ويؤكد هؤلاء أنه لم يكن يرغب حتى في عهدة ثالثة، لكن دوائر في السلطة كانت لها مصالح خاصة فرضت عليه البقاء لعهدة لا فائدة له منها.

ويحاول أنصار الرئيس بوتفليقة اليوم أن يعطوا عنه صورة الرجل الذي سئم السلطة، بعد أن أحس أن البعض خدعه. وبطبيعة الحال فإن الرجل الذي يصل إلى هذه القناعة يريد أن يغادر السلطة، وهو ملح على ذلك إلى درجة أنه يريد مغادرة منصبه قبل نهاية عهدته الثالثة. وتؤكد تلك الأطراف أنه يفكر في الاعتزال نهاية السنة القادمة، بعد إنهاء عملية الإصلاح، أي مباشرة بعد تعديل الدستور والقوانين الأساسية للبلاد.

لكن قبل أن يغادر منصبه، يريد الرئيس بوتفليقة أن يقوم بواجبه. فهو يرفض أن يترك البلاد على فوهة بركان، كما أنه يعمل لتحقيق كل الإصلاحات الضرورية. ويقول أنصار الرئيس بوتفليقة أنه عازم على تطبيق الإصلاح بطريقة متوازنة، حسب برنامج تدريجي، دون أن تدخل البلاد مرحلة اضطرابات ودون أن تعاني من مودة الثورات العربية. ويرفض السيد بوتفليقة إطلاقا أن تستسلم البلاد أمام غليان الشارع.

وفي كل أوساط السلطة، يؤكد الكل هذا التحليل. ويتكلم الكثير عن مصادر من الجيش وحتى من المخابرات، ليؤكدوا أن الرئيس بوتفليقة هو صاحب الحل والربط، وأنه صاحب القرار لوحده، وأنه سيقوم بالمبادرات الضرورية، وإذا فشل لا قدر الله، فسيكون ذلك فشله لوحده لا فشل المؤسسات.

ولعل أبرز تحليل في الموضوع ما كتبه السيد شفيق مصباح، ضابط سابق في المخابرات. ويؤكد هذا التحليل أن السيد بوتفليقة استطاع أن يتخلص من وصاية الجيش منذ أن فرض التقاعد على اللواء محمد العماري، رئيس الأركان السابق للجيش، وهو الضابط الوحيد الذي كان قادرا على مواجهة الرئيس بوتفليقة. أما الضباط الجدد، فإنهم يتميزون بتكوين تقني وعسكري عالي، لكنهم لا يفقهون السياسة إطلاقا، حسب ما يكتب السيد شفيق مصباح، الذي يؤكد أن سلطة الرئيس بوتفليقة على قيادة الجيش لا يدع مجالا للشك.

ويؤكد السيد شفيق مصباح كذلك أن الرئيس بوتفليقة استطاع أن يفصل بين قيادة أركان الجيش وجهاز المخابرات منذ رئاسيات 2004، ومنذ ذلك الحين، لا توجد في البلاد سلطة غير سلطة السيد بوتفليقة. إضافة إلى ذلك، يضيف السيد شفيق مصباح أن جهاز المخابرات ليس له مشروع سياسي بديل عن مشروع رئيس الجمهورية.

هذه التحاليل تعطي صورة بسيطة ومبسطة عن وضع البلاد، حيث تشير إلى أن رئيس الجمهورية « يحكم بأحكامه »، دون معارض ولا منازع، بعد أن تخلص من وصاية المؤسسات العسكرية والأمنية، التي تعمل تحت أوامره. إنها صورة جميلة، بل مثالية. إنها صورة تحمل السيد بوتفليقة مسؤولية ما يحدث أثناء الحوار، كما ستحمله مسؤولية مرحلة ما بعد الحوار، خاصة في حالة الفشل.

إنها في نهاية المطاف صورة إجماع جميلة جدا. لكن كيف تم بناء هذا الإجماع؟ وهل يشمل الإجماع خلافة الرئيس بوتفليقة؟

Poster un commentaire

Votre commentaire

Entrez vos coordonnées ci-dessous ou cliquez sur une icône pour vous connecter:

Logo WordPress.com

Vous commentez à l’aide de votre compte WordPress.com. Déconnexion /  Changer )

Photo Google

Vous commentez à l’aide de votre compte Google. Déconnexion /  Changer )

Image Twitter

Vous commentez à l’aide de votre compte Twitter. Déconnexion /  Changer )

Photo Facebook

Vous commentez à l’aide de votre compte Facebook. Déconnexion /  Changer )

Connexion à %s