كيف تعود مصر إلى الواجهة

كيف تعود مصر إلى الواجهة

عابد شارف

اكتسح الإسلاميون الساحة السياسية في مصر، وحصلوا على نتائج فاقت كل التقديرات خلال الانتخابات التشريعية. وفي المجموع، استطاع الإسلاميون أن يستولوا على ثلاثة أرباع المقاعد في البرلمان، يتقاسمها حزب الحرية والعدالة المنبثق عن الإخوان المسلمين بـ 47 بالمائة من المقاعد، وحزب النور السلفي الذي تحصل على 24 بالمائة من المقاعد.

ويمكن القول أن ما حصل عليه الإسلاميون يشبه من ناحية الحجم ما حدث في الجزائر سنة 1991، مع الإشارة إلى فرق بين الجزائر ومصر، وهو أن التيار « المعتدل » في مصر يسيطر على زمام الأمور في صفوف الإسلاميين بينما كان الإسلاميون في الجزائر تحت قيادة راديكالية. وتؤكد نتائج الانتخابات المصرية هذه أن مركبة الثورة المصرية التي بدأت في جو من التفاؤل والحماس، توجهت تدريجيا إلى سواحل لم تكن في الحسبان.

ومع هذه التجربة، تدخل مصر عهدا جديدا يفرض عليها أن تواجه تحديات مصيرية على جبهتين اثنتين، الأولى متعلقة بالإسلاميين أنفسهم، والثانية متعلقة بمصير البلاد بصفة عامة. أما عن الإسلاميين، فإن حزب العدالة والتنمية يتبنى لحد الساعة خطابا معتدلا يحاول من خلاله طمأنة الجيش والمخابرات والمعارضين في الداخل، إلى جانب الحلفاء التقليديين في الخارج. وأبدى « الإخوان » إرادة في التعامل مع المؤسسات القائمة، دون محاولة تحطيمها أو تبديلها جذريا مثلما فعل الخميني أو مثلما كان أن يفعل الفيس في الجزائر.

لكن هذا الموقف لن يدوم إلا مرحلة، وسيضطر الإخوان المسلمون إلى خيارات جديدة وجريئة في المدى المتوسط. والخيار الأول هو التفتح على العالم، وعلى القوى الليبرالية والنخبة العصرية في مصر. وفي هذه الحالة، ورغم أنه ينبثق عن تنظيم الإخوان المسلمين، فإن حزب العدالة والتنمية سيصبح حزبا عاديا، يحترم المؤسسات، ويشارك في اللعبة السياسية، ويذوب خطابه الديني ليترك مجالا للبراغماتية حيث سيتعامل مع الجيش والقوى الخارجية التي مازالت تؤثر على مصر.

أما الخيار الثاني، فإنه سيتمثل في المزايدات، والتوجه نحو مواقف راديكالية وخطاب شعبوي متطرف لتغطية الفشل في التسيير. وفي هذه الحالة، يمكن للتيار الإسلامي بصفة عامة أن يندد بالغرب، وبالمناورات الإسرائيلية، ويقول أنه فشل لأن الجيش لم يعطه الفرصة للتسيير، وأن التيارات الليبرالية التي تعارضه تريد أن تمحو هوية الشعب المصري، وهو خطاب يؤدي إلى مواقف متشددة مع كل ما يعني ذلك من قمع وضرب للحريات وفشل سياسي ثم اقتصادي. وإذا سلك الإخوان المسلمون هذا الطريق، يمكنهم التحالف مع السلفيين، مما يعطيهم أغلبية ساحقة في البرلمان، لكن هذا التحالف يضمن فشلهم وانهيار مصر، ويدفع البلاد إلى دوامة تشبه ما حدث في إيران مع المزايدات التي عاشتها البلاد في عهد الخميني.

وإذا اختارت مصر هذا الطريق، فإنها ستعيش أكبر تحدي لها في القرن الجديد. وستجد مصر نفسها في حروب وهمية، لفرض صوم رمضان ومنع الخمر وحاربة الظواهر الخارجية التي يأتي بها السائحون الأجانب، وتنسى الأعداء الحقيقيين المتمثلين في الفقر والجهل والرشوة.

ويومها ستحتاج مصر إلى كل قواها للخروج من معارك وهمية للعودة إلى العالم العصري وقضاياه الكبرى: كيف يمكن استعادة الوحدة الوطنية، وإقامة نظام بديل، يحترم الحريات، ويضمن الأمن والاستقرار؟ ومثل كل البلدان التي دخلت هذه المرحلة التاريخية المتميزة بوصول الإسلاميين إلى السلطة، لن تجد مصر من مخرج إلا أن تبحث عن طاقات تسمح للبلاد من تكسير الدائرة المفرغة، ولن تجد إلا جيشها إلى جانب نخبة عصرية، وطبقات متوسطة تواكب العصر وتعرف معنى السلم الاجتماعي، وتيارات ليبرالية متفتحة على العالم، ومؤسسات اقتصادية تريد أن تلعب دورا في الاقتصاد العالمي، دون أن ننسى المثقفين وأهل الفن الذين لعبوا دورا في كل المراحل التاريخية في مصر.

Publicités
Poster un commentaire

Laisser un commentaire

Entrez vos coordonnées ci-dessous ou cliquez sur une icône pour vous connecter:

Logo WordPress.com

Vous commentez à l'aide de votre compte WordPress.com. Déconnexion / Changer )

Image Twitter

Vous commentez à l'aide de votre compte Twitter. Déconnexion / Changer )

Photo Facebook

Vous commentez à l'aide de votre compte Facebook. Déconnexion / Changer )

Photo Google+

Vous commentez à l'aide de votre compte Google+. Déconnexion / Changer )

Connexion à %s