ولا بد للمرزوقي أن ينتصر…

منصف مرزوقي لا يرأس تونس فقط… إنه يرأس تجربة ديمقراطية لا بد أن تنجح لأنها تفتح باب الحرية لكل المنطقة

 

عابد شارف

لا يكسب منصف المرزوقي طائرات حربية ولا دبابات… ولم يكن المرزوقي جنرالا مثلما هو الحال للرئيس الموريتاني محمد ولد عبد العزيز، ولا هو صديق الجنرالات مثل الرئيس عبد العزيز بوتفليقة. ولم يصل المرزوقي إلى السلطة بفضل طائرات الحلف الأطلسي، بعد أن انقلب على قائده، مثلما فعل رئيس المجلس الوطني الليبي مصطفى عبد الجليل، ولا هو إسلامي القصر الملكي على طريقة المغربي عبد الإله بن كيران.

ولا يحظى المرزوقي حتى بأصوات أغلبية الناخبين في تونس، حيث أن حزبه لم يتحصل على الأغلبية عند انتخاب المجلس التأسيسي، ولم يتمكن حتى من الوصول في المرتبة الأولى، التي عادت لحزب النهضة. وجاء اعتلاؤه منصب رئيس الجمهورية نتيجة اتفاق سياسي بادر به حزب النهضة الذي كان يريد أن يتجنب الظهور وكأنه اكتسح الساحة السياسية كاملة.

ورغم ذلك، فإن الرئيس المرزوقي يظهر بصورة القائد الذي يكسب أكثر شرعية، والذي تعلق عليه أكثر الآمال في شمال إفريقيا. ويحمل الرجل من الرموز ما يجعل من التجربة التي يقودها في تونس أساسية لمستقبل المنطقة كلها. وسيكون لهذه التجربة الأثر الكبير على البلدان المجاورة والبلدان العربية بصفة عامة، لا بسبب حجم تونس وقوتها العسكرية أو المالية، بل بفضل المحتوى الذي أخذته المرحلة الانتقالية في أول بلد دخل ما يسمى بالربيع العربي.

وينعم منصف مرزوقي بهذه المصداقيه بفضل مساره أولا، حيث أنه أول مناضل حقوق الإنسان يصل إلى السلطة في منطقة لم تكن معروفة باحترامها لحقوق الإنسان. وهو أول مناضل برز بخطاب ديمقراطي وممارسة ديمقراطية يصل إلى السلطة في بلد عربي على إثر عملية احتجاجية سلمية. وهو كذلك أول رئيس يقنع الإسلاميين واللائيكيين والديمقراطيين ليعملوا جماعيا ويحترموا بعضهم في إطار تعايش سياسي مقبول ليس فيه إفراط ولا تطرف. وأخيرا، فإنه أول رئيس عربي منذ عهد طويل يقول أن القانون لا يسمح له أن يمس بحرية رجل قال كلاما يهدد الأمن العام: لقد قال المرزوقي هذا الكلام عن الداعية وجدي غنيم الذي باح بكلام غير مقبول خلال زيارة إلى تونس.

ويرأس المرزوقي أول بلد انتفض ضد سلطة مستبدة، ليعطي إشارة انطلاق ما تمت تسميته بالربيع العربي. ثم إن التغيير في تونس، ورغم الثمن الذي دفعته البلاد، إلا أنه لم يكن مرتفعا مثلما كان الحال في ليبيا واليمن أو سوريا. ولعل طبيعة المجتمع التونسي ساهمت في ذلك، حيث توجد في تونس طبقة متوسطة ذات وزن كبير، معتادة على التفاوض والبحث عن الحلول الوسطى والتوصل إلى الاجماع. ولا يعرف المجتمع التونسي العنف الذي يسود في المجتمع الجزائري، كما أنه يختلف عن المجتمع الليبي التقليدي الذي تسوده القبائل. فهو مجتمع مهيكل، منظم، مع وجود تقاليد عريقة. إضافة إلى ذلك، فإن المجتمع التونسي متفتح على الأجانب، سواء في ميدان التجارة أو التعاملات الاقتصادية أو لاستقبال السواح. وخلاصة القول أن المجتمع التونسي يبدو الأكثر قابلية لدخول التجربة الديمقراطية وتجنب خطر الانزلاق.

ولا تكسب تونس بترولا ولا غازا، كما أنها ليست ذات أهمية استراتيجية قصوى، ولا تشكل تهديدا على البحر الأبيض المتوسط. هذه المعطيات تدفع البلدان الغربية إلى التعامل مع تونس بطريقة خاصة، لتجعل منها مخبرا للتجربة الديمقراطية وللتعايش بين الإسلاميين والديمقراطيين واللائيكيين في البلدان العربية والإسلامية، مما يضاعف حظوظ تونس في نجاح تجربتها الديمقراطية.

كل هذا يعطي المرزوقي حجة لإنجاح التجربة التونسية. لكن بالمقابل عليه أن يواجه كل ذلك بحكمة كبرى لأنه ليس له الحق أن يخفق، ولا بد له أن ينجح. ويجب أن نقول ببساطة أنه لا بد للمرزوقي أن ينتصر، لأن مصيرنا مرتبط بنجاحه. وسواء قبلنا أم أبينا، فإن نجاح التجربة في تونس يعني أن الديمقراطية ممكنة في البلان العربية والإسلامية، وأن التعايش بين أناس يحملون فكرا مختلفا وقناعات متناقضة ممكن. أما إذا فشلت التجربة التونسية، فإن ذلك سيدفع كل المنطقة إلى الأسفل، ويفتح المجال أمام الأنظمة التعسفية المتسلطة، ويعطي تبريرا للأنظمة المستبدة التي كانت في الماضي ترفض الديمقراطية بحجة أنها تفتح الباب أمام الأنظمة الظلامية.

Publicités
Poster un commentaire

Laisser un commentaire

Entrez vos coordonnées ci-dessous ou cliquez sur une icône pour vous connecter:

Logo WordPress.com

Vous commentez à l'aide de votre compte WordPress.com. Déconnexion / Changer )

Image Twitter

Vous commentez à l'aide de votre compte Twitter. Déconnexion / Changer )

Photo Facebook

Vous commentez à l'aide de votre compte Facebook. Déconnexion / Changer )

Photo Google+

Vous commentez à l'aide de votre compte Google+. Déconnexion / Changer )

Connexion à %s