وسائل جديدة لسياسة الجزائر الجديدة في منطقة الساحل

عابد شارف

رفض « المجتمع الدولي » إقامة دولة أزاواد في شمال مالي، وقال: لا لتقسيم هذا البلد، لا لكل محاولة انفصالية، لا للطعن في الحدود التي ورثتها البلدان الإفريقية عند الاستقلال. وجاء رد « المجتمع الدولي » على الإعلان عن إقامة دولة أزاواد شمال مالي بعد استيلاء مجموعات مسلحة على هذه المنطقة، جاء الرد حاسما وحازما، لا يدع مجالا للشك ولا للمساومة. ولعل هذا الموقف يضع حدا لطموحات تلك المنظمات التي شنت هجوما خاطفا استولت من خلاله على شمال مالي قبل أن تعلن عن إقامة دولة أو إمارة أو خلافة في منطقة الساحل.

وكانت الحركة الوطنية لتحرير أزواد MNLA قد شنت سلسلة من العمليات العسكرية منتصف جانفي الماضي استطاعت من خلالها أن تسيطر على منطقة شاسعة في شمال البلاد لتعلن عن ميلاد دولة أزاواد. لكن ما أن أعلنت الحركة سيطرتها على أكبر مدن المنطقة، مثل كيدال وطمبوكتو وغاو، حتى جاءت وحدات « أنصار الدين »، فطردت تنظيم الأزاواد وأعلنت سيطرتها على المنطقة.

وتختلف « أنصار الدين » جذريا عن تنظيم أزاواد، حيث تعلن أنها حركة إسلامية، لا تهمها الدولة ولا الحدود، ولا تكتفي بمنطقة أزاواد، بل أنها تعمل من أجل إقامة إمارة إسلامية وتطبيق الشرع في كل المنطقة. وحسب الأخبار المتوفرة لحد الساعة، فإن « أنصار الدين » تنظيم يتعاون مع القاعدة ومع تنظيم آخر منشق عن القاعدة يسمي نفسه « حركة الوحدة والجهاد في غرب إفريقيا ». وتشير أخبار أخرى إلى دخول تنظيم آخر في اللعبة، وهو تنظيم « بوكو حرام » Boko Haram الذي ينشط عادة في نيجيريا حيث ينظم عمليات دموية بصفة منتظمة.

ولعل وجود هذه التنظيمات « الطالبانية » في شمال مالي هو الأمر الذي دفع كل البلدان المعنية، سواء بلدان المنطقة أو البلدان الكبرى، إلى اتخاذ موقف مشترك رافض لإقامة دولة أو إمارة في شمال البلاد. واشتركت في هذا الموقف بلدان لا تتفق عادة حول القضايا الأمنية، مثل فرنسا والجزائر والولايات المتحدة وموريتانيا وليبيا وغيرها. وذهبت فرنسا إلى أقصى حد في رفضها لتقسيم مالي، حيث جندت بلدان منظمة غرب إفريقيا CEDEAO لتعارض القرار، وأعلنت أنها مستعدة لتقديم المساعدة المادية الضرورية لنقل ألفين من جنود تلك البلدان إلى مالي لمساعدة السلطة في باماكو على الحفاظ على الوحدة الترابية للبلاد.

ووقفت بلدان المنطقة كرجل واحد لتعارض إنشاء دولة أزواد في شمال مالي لأن ذلك قد يشكل سابقة خطيرة، ويفتح الباب أمام تفكيك العديد من البلدان. والكل يعرف أن المؤسسات في تلك الدول تبقى ضعيفة، وأن إدارتها وجيوشها لن تصمد أمام تهديد قوي من الداخل تدعمه قوى خارجية. وباستثناء بعض الرموز مثل مصر ونيجيريا والمغرب والجزائر، لا توجد في المنطقة بلدان كثيرة قادرة على مواجهة عاصفة بحجم تلك التي اجتاحت الجزائر في التسعينات مثلا.

ومن جهة أخرى، فقد أوضحت التجربة الليبية حقيقة أخرى دفعت الكثير إلى الحذر: إن ضرب استقرار أي بلد من بلدان المنطقة سيكون له أثر على كل البدان الأخرى، لا على البلد المعني وحده. وقد أدى انهيار الدولة الليبية إلى زعزعة كل منطقة الساحل، كما أن تقسيم مالي قد يؤدي إلى تهديد سلسلة من البلدان مثل تشاد والنيجر وبوكينا فاصو وساحل العاج وموريتانيا. والجزائر نفسها تأثرت بأحداث مالي من زوايا: نزوح اللاجئين، وظهور بؤرة جديدة لعدم الاستقرار عند الحدود، واختطاف قنصل الجزائر في غاو وخمسة من مساعديه.

وفي الماضي، كانت الجزائر تحاول أن تدفع تنظيمات أزواد إلى الحوار مع السلطة المركزية في باماكو، وإقناع هذه الأخيرة إلى إدماج التوارق بطريقة أكبر في السلطة، إلى جانب العمل من أجل تحفيف الضغوط الخارجية على المنطقة. لكن الوضع تغير اليوم، مما يفرض على الجزائر أن تغير موقفها لتتبنى سياسة هجومية: يجب على الجزائر أن تصبح طرفا فاعلا وألا تكتفي بدور المتفرج مثلما كان الحال في ليبيا. ويجب أن تفرض الجزائر نفسها وتفرض مصالحها لتحافظ على أمن منطقة الجنوب، حتى ولو فرض عليها ذلك أن تدخل في مواجهة مع بعض الأطراف التي تريد تغيير خارطة المنطقة، مع العلم أن القاعدة في المغرب الإسلامي وأنصار الدين وبوكو حرام وغيرها من التنظيمات الغامضة ليست إلا حصان طروادة لكل أجهزة المخابرات التي تريد أن تفرض نفوذها ووسيلة لتمهيد الميدان لتدخل البلدان الكبرى.

ولعل ختام الكلام هو أن الجزائر أعلنت عن موقف يتمثل في رفض إقامة دولة جديدة في شمال مالي، ورفض الإرهاب، ورفض المساس بالحدود الموروثة عند الاستقلال، لكن على الحكومة أن تحدد اليوم سياسة وخطة لتحقيق هذه الأهداف، وأن تجند الوسائل الضرورية لذلك.

Publicités
Poster un commentaire

1 commentaire

  1. semane Ahlem

     /  29 avril 2012

    j’aurais souhaité que Mr Abed Charef aille plus loin dans son analyse! vous savez très bien que les azawad n’ont rien à voir avec AQMI end co,

    Réponse

Laisser un commentaire

Entrez vos coordonnées ci-dessous ou cliquez sur une icône pour vous connecter:

Logo WordPress.com

Vous commentez à l'aide de votre compte WordPress.com. Déconnexion / Changer )

Image Twitter

Vous commentez à l'aide de votre compte Twitter. Déconnexion / Changer )

Photo Facebook

Vous commentez à l'aide de votre compte Facebook. Déconnexion / Changer )

Photo Google+

Vous commentez à l'aide de votre compte Google+. Déconnexion / Changer )

Connexion à %s