صناديقهم خصبة وصناديقنا عقيمة

 

عابد شارف

تدخل كل من الجزائر وفرنسا مرحلة انتخابية في نفس الفترة، حيث تنتخب فرنسا رئيسها الجديد في 6 ماي المقبل، بينما تنتخب الجزائر نوابها في 10 ماي، أي بعد ذلك بأقل من أسبوع، مع الإشارة إلى أن فرنسا ستنظم انتخابات تشريعية مباشرة بعد الرئاسيات، لتشرع في تطبيق سياسية السلطة الجديدة ابتداء من الصيف القادم.

وسيعيش عدد من المواطنين الذين يحملون الجنسية المزدوجة، الجزائرية والفرنسية، تجربة نادرة بهذه المناسبة، إذ سيشاركون في الانتخابات في البلدين. ومن يوم لآخر، سيجد هؤلاء أنفسهم يساهمون في طرد نيكولا صاركوزي من السلطة، قبل أن يعودوا ليختاروا بين خالد بونجمة وشلبية محجوبي. وسيعرف يومها هؤلاء المحظوظون أن الانتخاب في هذا البلد وذاك لن يحمل نفس المعنى ولن يكون له نفس الأثر.

وفعلا، لما يضع ذلك المواطن ورقته في صندوق الاقتراع في فرنسا، فإنه سيكون مقتنعا أن خياره سيكون له أثر على الحياة السياسية والاقتصادية في البلاد، وأنه سيساهم في تغيير حياته وحياة الفرنسيين عامة. ويدرك أن وضع ورقة التصويت في صندوق الاقتراع لا تقتصر على عملية شكلية ينتهي أثرها عند خروجه من مركز التصويت، بل أنه شارك في صنع القرار السياسي للسنوات القادمة.

وقبل أن يشارك في التصويت، سيسمع ذلك الناخب خطاب كل طرف، ويمكنه أن يحضر المهرجانات، ويسمع التحاليل السياسية، وتنضج لديه فكرة واضحة عن برنامج هذا الحزب أو ذاك، ويعرف ماذا ينوي كل مرشح أن يفعل في الميادين التي تمس ذلك المواطن بصفة مباشرة. وحتى إن أخطأ، فإن العملية السياسية تسمح له أن يعود بعد سنوات ليصحح خطأ، وهو ما سيحدث في فرنسا بعد أقل من ثلاثة أسابيع. أما إذا كان الاختيار صائبا، مثلما يعتقد الأمريكيون فيما يتعلق باختيارهم الرئيس باراك أوباما، فيمكنهم تأكيد نفس الاختيار بعد عهدة تدوم أربع أو خمس سنوات.

أما في الجزائر، فإن القناعة السائدة هي أن تأدية نفس الواجب الانتخابي لن تؤدي إلى أية نتيجة سياسية، ولن يغير شيء غي البلاد، باستثناء تبديل أسماء عدد من الأشخاص الذين سيحصلون على مدخول مرتفع. ويؤدي سلوك معظم المرشحين ولهفهم وراء المناصب مع غياب تام للأفكار وللقناعات السياسية، يؤدي إلى الاعتقاد أن هدفهم الوحيد هو الوصول إلى ذلك المنصب مهما كان الثمن، للخصول على مدخول عالي أو لدخول عالم الامتيازات لما يتعلق الأمر بالفئة المعروقة بـ »أهل الشكارة ».

إضاقة إلى ذلك، فإن البرلمان الجزائري فقد كل صلاحياته، ولم تبق له أية سلطة، باستثناء الموافقة على قرارات السلطة الحقيقية، التي توجد في مؤسسات أخرى غير البرلمان، أو حتى خارج المؤسسات الرسمية. كما تثبت الحملة الانتخابية أن الذين رشحوا أنفسهم لن يفعلوا ذلك للدفاع عن مشروع سياسي أو عن قناعات، وأنهم لا يحملون لا فكرا ولا مشروعا.

ولا شيء يوحي أن التغيير ممكن بمناسبة الانتخابات في الجزائر. وكيف يمكن لأحزاب جديدة أن تحقق نتائج مقبولة وتتكلم عن التغيير بعد أن كانت المعارضة ممنوعة من الكلام لمدة عشر سنوات، بل كانت ممنوعة حتى من تشكيل أحزاب سياسية رغم أن الدستور والقانون يسمحان بذلك. ولما يشتد هذا الضغط على أي طرف سياسي، فإنه يفقد قدرته على التنظيم وقدرته على اقتراح أفكار جديدة، ويعجز في أخر المطاف إلى تقديم بديل سياسي. أما ما حدث في فرنسا منذ انتخاب نيكولا صاركوزي، فإن المعارضة كانت تتمتع بكل الحرية لتجتمع وتنظم نفسها وتناقش المشاريع السياسة والاقتصادية لتكون جاهزة يوم الحسم لتشكل بديلا للسلطة القائمة.

ولعل هذا ما يشكل الفرق الأساسي بين تصويت المواطن الذي يحمل جنسيتين في الجزائر وفي فرنسا. إن تصويته في فرنسا يعطيه فرصة للمشاركة في انتصار بديل سياسي للسلطة القادمة. أما تصويته في الجزائر، فإنه يشكل مساهمة في البقاء على وضع مسدود لا يرضى به أحد.

Poster un commentaire

Votre commentaire

Entrez vos coordonnées ci-dessous ou cliquez sur une icône pour vous connecter:

Logo WordPress.com

Vous commentez à l’aide de votre compte WordPress.com. Déconnexion /  Changer )

Photo Google

Vous commentez à l’aide de votre compte Google. Déconnexion /  Changer )

Image Twitter

Vous commentez à l’aide de votre compte Twitter. Déconnexion /  Changer )

Photo Facebook

Vous commentez à l’aide de votre compte Facebook. Déconnexion /  Changer )

Connexion à %s