أسرار عن الطاقة النووية في الشارع الجزائري

كل دول العالم تعطي حماية خاصة للخبراء في الطاقة النووية، إلا الجزائر التي تدفعهم إلى التظاهر في الشارع…

عابد شارف

لن تحتاج الوكالة الدولية للطاقة النووية أن تقوم بمراقبة عميقة للبرنامج النووي الجزائري مثلما تفعل منذ سنوات مع إيران، ولن تحتاج أمريكا أن تبعث جواسيس للوقوف على ما يقوم به الباحثون الجزائريون في المخابر الموجودة بمراكز البحث في درارية وبيرين، لأن كل شيء مطروح عندنا على المكشوف… إن الملفات الأكثر تعقيدا، والتي كانت تشكل أسرارا كبرى، أصبحت متداولة في الشارع.

وتحول الخبراء الجزائريون في الفيزياء النووية إلى متظاهرين مهنيين، يتقنون تنظيم المسيرات وعمليات الاحتجاج. وهم لا يتظاهرون للمطالبة بحق الجزائر في التحكم في الطاقة النووية، ولا يتظاهرون بسبب خلافات حول استعمال الطاقة النووية لأغراض سلمية أو عسكرية، كما أنهم لا يتظاهرون للاحتجاج ضد الأخطار التي قد تحملها هذه التكنولوجيا… لا… هذه قضايا تافهة… إن الباحثين الجزائريين يتظاهرون لينددوا بالإدارة، وبعدم استجابة وزارة الطاقة لمطالبهم، كما يتظاهرون للدفاع عن قضايا أساسية: الاعتراف بنقابتهم ورفع مستوى أجورهم…

وقد نظم القوم تجمعا في 25 أفريل أمام المحافظة السامية للطاقة النووية بالعاصمة، على بعد مائة متر من وزارة الدفاع… وطالب المحتجون بفتح قنوات الحوار من أجل القضاء على وضع لا يخدم مصلحة الجزائر، كما طالبوا بتسوية المشاكل في إطار القانون والمؤسسات. وكان الباحثون وعمال المركز النووي قد نظموا تجمعا مماثلا في 11 فريل، وفي جانفي الماضي كذلك، إلى أن تحولت العمليات الاحتجاجية إلى عمل روتيني لا يبالي به أحد. ولم تؤد كل العمليات الاحتجاجية إلى نتائج تذكر، باستثناء دفع هؤلاء الناس إلى الشارع، رغم أن القطاع النووي يشكل في كل البلدان العالم القطاع الأكثر حماية والذي يتطلب أقصى حذر وأكبر وقاية ممكنة.

وكنت أتخيل أن العمال في هذا القطاع والباحثين بصفة خاصة يعملون في سرية تامة، داخل مخابر ومراكز بحث سرية أو شبه سرية، وأتخيلهم منهمكين في البحث للتحكم في ميدان أصبحت البلدان الغربية تمنعه علينا. وكنت أعتقد أن هؤلاء الناس لا يعرفون النوم ولا الراحة لإعطاء الجزائر استقلاليتها في هذا الميدان حتى تتمكن يوما من الاستغناء جزئيا عن الطاقة المشتقة من المحروقات لتبديلها بالطاقة النووية، إلى جانب كل الآفاق التي يفتحها التحكم في الطاقة النووية. وإذا بنا اليوم نكتشف أن هؤلاء الباحثين يقضون أوقاتهم في مواجهة الإدارة وفي النقاش حول القضايا الإدارية.

ونتساءل اليوم: كيف وصلت الجزائر إلى هذا الوضع؟ كيف استطاعت الجزائر أن تصل إلى وضع تنزع فيه سلاحها بيدها وتمنع نفسها من التحكم في ميدان أصبح اساسيا في حياة الأمم؟ كيف وصلت البلاد إلى وضع يمكن فيه لأي موظف في أية سفارة أجنبية أن ينزل إلى الشارع ليضع قائمة العاملين في ميدان حساس كهذا، ونحن نعرف أن أكبر أجهزة المخابرات مثل الموصاد والسي آي إي وغيرها تعمل أشهر أو سنوات لتحصل على اسم خبير واحد في الميدان في إيران أو إسرائيل أو باكستان؟

وقد يقول البعض أن ما يحدث في الجزائر جاء نتيجة مؤامرة من القوى الكبرى أو من فرنسا، بتواطئ مع قوى في الداخل، لتفكيك المؤسسات الجزائرية ومنع الجزائر من دخول عالم التكنولوجيا النووية. وكثيرا ما يتكلم الجزائريون عن المؤامرات والمتآمرين، مما يوحي أنه لا توجد مسؤولية للجزائريين في ما يحدث لأن المؤامرة أكبر منهم وتتجاوز قدرتهم في التصدي…

لكن هذا الكلام غير مقبول: توجد في الجزائر حكومة تحكم، وسلطة تسلطت، ورئيس يرأس. يوجد مسؤولون يحملون أسماء، منهم عبد العزيز بوتفليقة وأحمد أويحيى وعبد العزيز بلخادم وغيرهم، يتحملون مسؤولية هذا الوضع… إن كان هؤلاء يحكمون البلاد فعلا، فإن لهم مسؤولية تامة عن هذا الانهيار الذي يرمي بعلماء الطاقة النووية إلى الشارع… وإن كانوا لا يحكمون، ويكتفون بلعب دور الغطاء لصالح قوى أخرى في الداخل أو في الخارج، فإنهم مسؤولون عما يحدث.

ويمكن أن نصوت لصالح نفس المسؤولين في 10 ماي القبل. وإذا حدث ذلك، فإننا بعد خمس سنوات سنجد الخبراء الجزائريين في ميدان الطاقة النووية يحملون ملفاتهم ويطرقون أبواب السفارات الأجنبية لعلهم يجدون من يشتري منهم أبحاثهم والمعلومات التي يحملونها عن هذا تطور هذا القطاع في الجزائر…

Publicités
Poster un commentaire

Laisser un commentaire

Entrez vos coordonnées ci-dessous ou cliquez sur une icône pour vous connecter:

Logo WordPress.com

Vous commentez à l'aide de votre compte WordPress.com. Déconnexion / Changer )

Image Twitter

Vous commentez à l'aide de votre compte Twitter. Déconnexion / Changer )

Photo Facebook

Vous commentez à l'aide de votre compte Facebook. Déconnexion / Changer )

Photo Google+

Vous commentez à l'aide de votre compte Google+. Déconnexion / Changer )

Connexion à %s