النقاش الاقتصادي والثرثرة حول المصاريف

وأخيرا، اكتشف المسؤولون عن الاقتصاد الوطني أن ارتفاع المصاريف يشكل تهديدا على توازنات البلاد…

 

عابد شارف

تكلموا بطريقة جماعية ليقولوا نفس الخطاب ويقدموا نفس التحذير: قالوا إن مصاريف الدولة وصلت إلى مستوى لا يطاق. وأكدوا أن الانزلاق أصبح يهدد التوازنات الكبرى للبلاد، خاصة بسبب ميزانية التسيير التي بلغت مستوى عالي جدا نتيجة للارتفاع الكبير في الأجور خلال السنة الماضية. واستعملوا علمهم في الاقتصاد و فن التسيير ليؤكدوا أنه من الضروري التحكم في ميزانية الدولة وإعادة المصاريف إلى مستوى مقبول، بعد أصبح الوضع خطيرا جدا.

من هم أصحاب هذا الخطاب الجديد الذي يدعو إلى نوع من التقشف، وإلى محاربة التبذير، والاستعمال العقلاني للمال العام؟ هل هم معارضون راديكاليون يستغلون أية فرصة لانتقاد الحكومة بلهجة شديدة؟ هل هم أعداء تاريخيون للجزائر وحكومتها وشعبها ونضالها؟ أم هل أنهم ينتمون إلى مدرسة اقتصادية جديدة تدعو إلى احترام التوازنات والاستعمال السليم للمال العام والحفاظ على مخزون البلاد من النفط لفائدة الأجيال القادمة؟

إن أصحاب هذا الخطاب المعادي للتبذير هم أهل الحل والربط، وأصحاب القرار الاقتصادي في البلاد. إنهم أولائك الذين يشرفون على تسيير اقتصاد البلاد منذ سنوات طويلة. إنهم أولائك الذين وزعوا الأموال على الموظفين وعلى الشركات الاقتصادية، العامة منها والخاصة، ليشتروا بذلك السلم الاجتماعي لما كانت الجبهة الاجتماعية مشتعلة في السنة الماضية. إنهم نفس الأشخاص الذين اتخذوا بالأمس قرارات لتوزيع الأموال على كل الناس لتفادي عدوى « الربيع العربي »، إنهم نفس الأشخاص الذي عادوا اليوم وقالوا أن هذه الطريقة في التسيير ليست ناجعة ولا بد من الابتعاد عنها.

لماذا جاؤوا بهذا الخطاب الجديد؟ لأن أسعار النفط تراجعت في السوق الدولية. وقد قال وزير الطاقة يوسف يوسفي أن سعر البترول تراجع بثلاثين بالمائة، مما يشكل خسارة تبلغ 20 مليار دولار سنويا بالنسبة للجزائر. ولاحظ السيد يوسفي كذلك أن معظم المؤشرات تؤكد أن أسعار النفط ستمر بمرحلة صعبة، لأسباب عديدة، منها أن الدول المصدرة للنفط تنتج حاليا أكثر من اللازم، وأن سوق النفط تغرق بفائض يبلغ اثنين مليون برميل يوميا، إضافة إلى أن احتياط النفط عند البلدان المستهلكة بلغ مستوى لن يعرفه في الماضي.

ومن جهته، قال مسؤول في البنك المركزي الجزائر أن ميزانية الجزائر لن تعرف التوازن إلا إذا بلغ سعر النفط 112 دولار. أما إذا تراجع إلى 80-90 دولار مثلما هو الحال اليوم، فإن ميزانية البلاد ستسجل عجزا لا يمكن تداركه إلا باللجوء إلى مخزون البلاد من العملة الصعبة.

وحاول وزير المالية كريم جودي أن يطمئن الجميع لما قال أنه من المستحسن أن تعود مصاريف الدولة إلى مستوى مقبول، لكن الوضع الحالي لا يهدد التوازنات الكبرى للبلاد. وأكد أن الحكومة لن تتراجع عن دعم الأسعار، مما يؤكد أن الحكومة ستعمل كل ما في وسعها لشراء السلم الاجتماعي مهما كان الثمن.

وجاء كل هذا الكلام دون أن يتجرأ احد لينتقد السياسة السابقة. فلا أحد قال أن رئيس الجمهورية أخطأ ولا أن رئيس الحكومة لم يحسن التصرف لما كانت الحكومة توزع الأموال لكل من يهدد أن يحتل الشارع. ونفس الأشخاص الذين كانوا يفتخرون بالأمس بالسياسة الحكيمة لرئيس الجمهورية وكانوا يطبقونها بحماس كبير، أصبحوا يتبنون اليوم كلاما معاكسا ليؤكدوا أنه لا بد من إعادة النظر في تلك السياسة. وبطبيعة الحال، فإن نفس الأشخاص يعتبرون أنه من الطبيعي أن يبقوا في الحكومة ليطبقوا سياسة معاكسة لما كانوا يفعلون في الماضي…

ولم لا يبقون في الحكومة إلى الأبد بعد هذا النجاح العظيم؟ ألم ينجحوا، بفضل هذه الثرثرة حول مصاريف الدولة، أن يغطوا ما هو أساسي؟ لقد جاء في القرار السنوي الذي قدمه البنك المركزي الجزائري، جاء صراحة أن مستوى النمو في البلاد قد تراجع بصفة ملحوظة. وتزامنا مع تراجع النمو، فقد ارتفع مستوى التضخم ليقترب من سبعة بالمائة، وهي أعلى نسبة منذ عهد طويل، بينما مازال الاقتصاد الجزائري لم يتحرر لا من المحروقات ولا من استثمارات الدولة. ألا يستحق من أنسانا هذا الواقع أن يبقى في الحكومة إلى الأبد؟

Publicités
Poster un commentaire

Laisser un commentaire

Entrez vos coordonnées ci-dessous ou cliquez sur une icône pour vous connecter:

Logo WordPress.com

Vous commentez à l'aide de votre compte WordPress.com. Déconnexion / Changer )

Image Twitter

Vous commentez à l'aide de votre compte Twitter. Déconnexion / Changer )

Photo Facebook

Vous commentez à l'aide de votre compte Facebook. Déconnexion / Changer )

Photo Google+

Vous commentez à l'aide de votre compte Google+. Déconnexion / Changer )

Connexion à %s