اتفاق مع رونو في عهد حمزة ساسي

انتهت سنة 2012 بأسوأ اتفاق اقتصادي ممكن. إنه العقد مع شركة « رونو »، اتفاق توصلت إليه الجزائر يوم أصبح حمزة الساسي نجم الجزائر الجديد.

 عابد شارف

أبرز الاتفاق الذي أبرمته الجزائر مع شركة « رونو » Renault الفرنسية تحالفا بين انعدام الكفاءة، وسوء التسيير، وتراكم الأخطاء، وانعدام روح المسؤولية، وهي الخصال التي ظهر بها الطرف الجزائري، حيث أعطى أسوأ صورة، وأكد أنه لا يعرف ماذا يفعل، فتصرف مثل الطفل الصغير الذي أعطته أمه مالا فأراد أن يشتري به أي شيء، مهما كان، فاشترى لعبة خطيرة، وهو ما قام به الطرف الجزائري الذي صرف أموالا ليبرم عقدا خطيرا لاقتصاد البلاد.

وفي بداية الأمر، كان العقد مع شركة « رونو » يعبر عن طموح الجزائر في العودة إلى النشاط الصناعي، بعد أن تراجع هذا القطاع ليمثل خمسة بالمائة فقط من الإنتاج الوطني. كمل يعبر عن رغبة الجزائر في التحكم في سوق السيارات الذي أصبح يشكل عائقا على الاقتصاد الوطني. وستبلغ واردات الجزائر من السيارات ما يقارب 550 ألف وحدة خلال السنة الجارية، وستفوق الواردات مبلغ 6.5 مليار دولار. وإذا تواصل نمو السوق الجزائرية على نفس الطريقة، فإنها ستبلغ مليون سيارة سنويا قبل سنة 2020، بمبلغ 12 مليار دولار سنويا.

ولا بد للجزائر من رفع هذا التحدي. وتساءل أهل الحل والربط: كيف يمكن للجزائر التي تنطلق من العدم في هذا الميدان، كيف يمكن لها أن تدخل عالم السيارات، وتتعلم كيف تصنع عددا قليلا في مرحلة أولى، ثم توسع طاقتها تدريجيا، مستغلة الأوراق التي يمكن استغلالها مثل اليد العاملة والطاقة، إلى أن تصبح بلدا يتميز بميزانية متكافئة في لميدان السيارات بعد عشرة سنوات أو خمسة عشر سنة؟

كان السؤال مطروحا، وجاء الجواب: إنه أسوأ جواب يمكن انتظاره، إلى درجة أن الوزير الأول الأسبق أحمد أويحيى، الذي لم يكن معروفا بحسن التسيير، اضطر إلى أن يتبرأ منه. وبدأت الأخطاء منذ مدة طويلة، ويمكن حصرها في النقاط التالية:

–          وقع الخطأ الأول قبل سنوات لما عجز المتفاوضون الجزائريون من الوصول إلى اتفاق بسرعة مع « رونو »، مما دفع الشركة الفرنسية إلى أن تستقر في المغرب حيث استثمرت مليار دولار لتنتج 400 ألف وحدة أو أكثر إذا تطلبت السوق ذلك. وبدل أن تكون الجزائر قاعدة إفريقية لإحدى أكبر الشركات العالمية في ميدان السيارات، ضيعت هذه المكانة وأصبحت تجري وراء القليل.

–          بدأت المفاوضات مع « رونو » في مرحلة كانت السوق الجزائرية لم تبلغ 200 ألف وحدة. وكان الهدف إنتاج 75.000 سيارة، أي تغطية نصف حاجيات السوق الجزائرية. لكن بسرعة فائقة جاء الطريق السيار وجاءت الأموال فتجاوزت السوق الجزائرية نصف المليون سيارة ابتداء من السنة الجارية. غير أن المفاوضين الجزائيين لم يأخذوا هذه التغيرات بعين الاعتبار، ومازالوا يتكلمون عن 75 ألف سيارة، وأبرموا اتفاقا لصنع 25.000 سيارة فقط، وهو ما يشكل اليوم أقل من خمسة بالمائة من حاجيات السوق الجزائرية، ومن المحتمل أن هذا الرقم سيشكل 2.5 بالمائة من السوق الجزائرية بعد خمس سنوات…

–          قال السيد شريف رحماني أن الاستثمار سيبلغ مليار أورو لإنتاج 25.000 سيارة. لكن نفس المبلغ تم استثماره في المغرب لإنتاج 400 ألف سيارة، أي 16 مرة ما ستنتجه الجزائر… وفي سلوفاكيا كذلك تم استثمار مليار أورو لإنتاج 300 ألف سيارة فاخرة، فأين الخطأ؟ بعد ذلك، قال مسؤول في « رونو » أن الاستثمار من جانب الشركة الفرنسية سيبلغ 50 مليون أورو، أي عشر مرات أقل مما قاله السيد رحماني.

–          تصريحات السيد رحماني أثارت دهشة الكثير، فقد تكلم الرجل وكأنه لا يعرف محتوى الاتفاق مع « رونو » رغم أنه وزير الصناعة. وأعطى أرقاما لا معنى لها، مما أثار سخط الطرف الفرنسي الذي يعتبر اليوم أن المفاوضين الجزائريين ليسوا مؤهلين ولا يعرفون الاستراتيجية الصناعية ويمكن بالتالي التلاعب بهم بكل الطرق.

–          الجانب الجزائري لم يكن يعرف ما يريد، ولم تكن له أهداف ولا استراتيجية تفاوض، فتعامل مع القضية وكأنه يريد أن يمضي أي عقد ويكتفي بذلك دون أن يدرس عواقبه الاقتصادية والصناعية.

–          قررت الجزائر أن تعطي « رونو » مهلة ثلاثة سنوات لا تتعامل خلالها مع شركة أخرى. وإذا أرادت الجزائر أن تبرم عقدا آخر، فإنها لن تبدأ المفاوضات قبل سنة 2016. وإذا حدث ذلك، فإن المفاوضات ستدوم سنتين أو ثلاثة، أي سنة 2018. وإذا بدأ إنجاز المصنع الجديد بعد ذلك، فإنه سيبدأ الإنتاج حوالي سنة 2022. يعني هذا أن الاتفاق مع شركة « رونو » لإنتاج 25.000 سيارة سنويا سيمنع الجزائر من دخول عالم صناعة السيارات قبل عشر سنوات من الآن… وفي هذه الفترة من الزمن، ستبلغ واردات الجزائر حوالي ثمانية ملايين سيارة، بمبلغ يتجاوز 120 مليار دولار.

هذه هو العقد الذي أبرمته الجزائر يوم أصيد حمزة الساسي رمزا وطنيا.

Publicités
Poster un commentaire

Laisser un commentaire

Entrez vos coordonnées ci-dessous ou cliquez sur une icône pour vous connecter:

Logo WordPress.com

Vous commentez à l'aide de votre compte WordPress.com. Déconnexion / Changer )

Image Twitter

Vous commentez à l'aide de votre compte Twitter. Déconnexion / Changer )

Photo Facebook

Vous commentez à l'aide de votre compte Facebook. Déconnexion / Changer )

Photo Google+

Vous commentez à l'aide de votre compte Google+. Déconnexion / Changer )

Connexion à %s