عين أم الناس تفرض تغييرا شاملات للمعادلة الأمنية

 عملية اختطاف الرهائن في عين أم الناس تفرض إعادة النظر في الإجراءات الأمنية. حيث يجب التعامل مع وضع جديد يتمثل في ظهور معقل جديد للمجموعات الإرهابية في شمال مالي.

 عابد شارف

أعلن وزير الطاقة، السيد يوسف يوسفي، أن الجزائر لن تطلب أية مساعدة خارجية لحماية المحطات النفطية في الصحراء. وجاء هذا الإعلان بعد عملية اختطاف الرهائن التي تمت بالقرب من عين أم الناس، والتي قامت بها جماعة إرهابية ذات تكوين دولي انتهت بقتل 34 رهينة، بينما تمكنت القوات الخاصة للجيش من القضاء على كل أعضاء المجموعة الإرهابية. وأشار وزير الطاقة بتصريحه هذا إلى قضية الأمن في الصحراء بعد أن أصبحت محل جدال منذ بداية عملية اختطاف الرهائن، إلى أن تصدر بعض التحاليل المتخصصة التي أشارت إلى حقائق لم يكن ينتظرها أحد.

وجاءت أول مفاجأة لتشير إلى أن عددا كبيرا من الخبراء الأجانب في ميدان الأمن، من جواسيس سابقين ورجال القوات الخاصة وغيرهم، يجوبون الصحراء الجزائرية بكل حرية في إطار عملهم الحالي. هؤلاء الخبراء يعملون في شركات أجنبية مختصة في الأمن، منها أربع شركات كبرى فرضت نفسها في السوق الجزائرية. وأشارت الصحافة إلى أن جنرالات وضباط سابقين في أجهزة مخابرات غربية يعملون في هذه الشركات، ويشكلون العمود الفقري لتأطيرها. واتضح كذلك أن الرهينة الفرنسية الذي راح ضحية عملية الاختطاف كان ينتمي في السابق إلى القوات الخاصة.

وكانت الجزائر قد أعطت بعض التسهيلات في التسعينات لدخول هذه الشركات الخاصة إلى الجزائر، لما كان الوضع الأمني صعبا، وكان الخبراء الأجانب في ميدان التنقيب واستغلال المحروقات يترددون قبل العمل في الجزائر بسبب الوضع الأمني وتهديدات المجموعات الإرهابية. وكانت هذه الشركات الأمنية الأجنبية تعطي ضمانات أكبر بفضل خبرتها، وكان المهندسون الغربيون يفضلون الهمل تحت حمايتها لأنهم كانوا يعتبرونها أكثر مهنية واحترافية، كما كانوا يعتبرون أن الشركات الجزائرية لا توفر الخبرة والكفاءة الضرورية.

وعند بداية عملية الاختطاف في عين أم الناس، بدأت الصحافة الغربية تنتقد الإجراءات الأمنية التي يتم تطبيقها في الصحراء، مشيرة بوضوح إلى إخفاق جزائري في الميدان. وقال الكثير: كيف يمكن حدوث عملية بهذا الحجم في منطقة تخضع لحراسة مشددة؟ وعندها نشرت الصحافة الجزائرية أخبارا تؤكد أنه لم يكن هناك تقصير ولا خطأ في الميدان الأمني، وإذا كان هناك خطأ فإن الشركات الغربية المختصة هي التي ارتكبته، حيث أن خبراءها هم الذين حددوا الإجراءات الأمنية المتبعة، والقواعد التي يجب تطبيقها، كما أنهم يقومون بالمراقبة الضرورية ويخططون لعمليات التدريب الإضافية إذا كان اعتبروا ذلك ضروريا.

واستطاعت الجزائر أن تتجنب الأعمال الإرهابية في منشآتها النفطية في أصعب مرحلة، ولم تسجل لأية عملية تذكر خلال التسعينات. واعتبر الجميع أن الطرق المستعملة كانت ناجعة، إلى أن جاءت عملية عين أم الناس لتؤكد أن الإرهاب ظاهرة أكثر تعقيدا، تفرض اتخاذ كل الإجراءات لمحاربتها لكن ذلك ليس كافيا ليضمن أي طرف أنه استطاع أن يقضي على الإرهاب. ولا مجال للكلام عن خلل في الإجراءات الأمنية لأن الإرهاب بطبيعته يحاول دائما أن يفاجئ ويقوم بجريمته حيث لم يكن منتظرا.

ومن جهة أخرى، يجب الإشارة إلى نقطة أخرى: إذا كانت التنظيمات الإرهابية تحصل على كميات من السلاح مثل تلك التي جاءت من ليبيا بعد سقوط القذافي، وتحصل على تمويل لا حد له يأتي سواء من الفدية بعد اختطاف الرهائن أو من الشرق الأوسط أو من ضريبة مفروضة على السكان، وإذا كانت تلك المنظمات الإرهابية تكسب معقلا لا يستطيع أحد أن ينافسها فيه مثلما هو الحال في شمال مالي، فإنه من الصعب، بل من المستحيل القضاء عليها بمجرد عمليات عسكرية، مهما كان حجمها.

وفي نفس السياق، ارتكب الكثير خطأ بالقول أن الصحراء منطقة صعبة لا تسمح بتحرك المجموعات الإرهابية، وأنه من السهل مراقبتها لأنها عارية ولا توفر الملاجئ الضرورية مثل المناطق الجبلية التي تشكل المعاقل التقليدية للإرهاب. لكن هذا خطأ، ورغم أنه لا يمكن وجود مجموعات إرهابية في الصحراء بنفس الكثافة التي تعرفها مناطق أخرى، إلا أن الصحراء توفر ميدانا هائلا لمن يعرف استعماله. وبالنسبة لشمال مالي، يمكن عبور الحدود دون أية مراقبة، والتحرك في مساحات شاسعة، والتعامل مع شبكات التهريب والجريمة الموجودة في المنطقة، وهذا ما يؤكده تواجد المجموعات الإرهابية وشبكات التهريب في شمال مالي منذ سنوات. ولا يمكن القضاء عليها إلا بتغيير الوضع السائد في مالي، لأن إخفاق الدولة المالية وعجزها عن التحكم في جزء من التراب الوطني لهذا البلد أصبح يشكل بدوره عاملا أساسيا لانتشار الإرهاب.

Publicités
Poster un commentaire

Laisser un commentaire

Entrez vos coordonnées ci-dessous ou cliquez sur une icône pour vous connecter:

Logo WordPress.com

Vous commentez à l'aide de votre compte WordPress.com. Déconnexion / Changer )

Image Twitter

Vous commentez à l'aide de votre compte Twitter. Déconnexion / Changer )

Photo Facebook

Vous commentez à l'aide de votre compte Facebook. Déconnexion / Changer )

Photo Google+

Vous commentez à l'aide de votre compte Google+. Déconnexion / Changer )

Connexion à %s