لا يمكن شراء دستور من سوق الحراش

تستعد الجزائر لدستور جديد، وكأن الدساتير مرمية في سوق الحراش ويكفي أن نشتريها مثلما نشتري سيارة…

 عابد شارف – الشروق- 13 مارس 2013

من الممكن أن يذهب الرجل إلى السوق وهو لا يعرف بالضبط ماذا سيشتري. وعند خروجه من السوق، يجد نفسه قد صرف أموالا كبيرة، واشترى أشياء عديدة رغم أن البعض منها لا يصلح وأنه لم يفكر فيها قبل دخوله السوق… ومن الممكن أن يخرج الرجل من بيته يوم عطلة وهو لا يعرف أين سيذهب، فيجد أصدقاء متوجهين إلى ملعب كرة القدم أو إلى الشاطئ فيرافقهم. ومن الممكن أن يقرر الإنسان أن يشتري بيتا، وهو لا يعرف بالضبط أي بيت يستطيع أن يشتري بماله، فيدخل السوق ليجد نفسه مضطرا إلى تغيير الحي الذي كان ينوي أن يسكن، ويشتري بيتا أصغر مما كان يريد، لأن أمواله لا تكفيه لشراء البيت الذي كان يحلم به…

كل هذا ممكن، لأن حياة الإنسان ليست مسطرة بكل تفاصيلها. ولا يستطيع المرء أن يخطط لكل صغيرة وكبيرة، وليس بإمكانه أن يعرف مسبقا ماذا سيفعل بالضبط في كل مراحل حياته. ولنقل أن هذا الجانب الذي لا نتحكم فيه من حياة الإنسان هو الذي يعطي الحياة لذة ونكهة، ويجعلنا دائما ننتظر المفاجأة، ونترجى الجميل، ونتمنى الأجمل.

كل هذا ممكن…

لكن أن تذهب دولة مثل الجزائر، برئيس حكومتها ومسؤوليها، وبرئيس رئيس برلامنها، وبأحزابها وجمعياتها، أن يذهب كل هؤلاء إلى مراجعة الدستور وهم لا يعرفون محتوى الدستور الجديد ، ولا يعرفون متى سيتم التعديل، وكيف سيتم، فهذا من غير المعقول، ومن غير المقبول، ومن غير الممكن…

ويكفي لنفهم ذلك أن نذكر بقضايا بسيطة جدا. أولها أن الرئيس عبد العزيز بوتفليقة كان قد أعلن قبل سنتين عن نيته في تعديل الدستور للمرة الثالثة منذ أن تولى السلطة. وأعلن عن تشكيل لجنة تتكفل بهذه العملية، وتم تنظيم لقاءات مع الأحزاب السياسية لهذا الغرض. وقد سبق للسيد بوتفليقة أن قام بتعديل الدستور سنة 2008 ليفتح لنفسه المجال لعهدة ثالثة، وبرهن آنذاك بصفة نهائية أنه يعتبر أن شخصه أسمى من الدستور، وأن على الدستور أن يخضع لما يريده السيد بوتفليقة وليس للسيد بوتفليقة أن يخضع للدستور.

وفي الأسبوع الماضي، صرح الوزير الأول عبد المالك سلال أن تعديل الدستور سيتم في الأشهر القادمة، لكنه لم يعط موعدا صريحا، ولم يحدد تاريخا لتنظيم العملية. وقال أنه لا يعرف محتوى تعديل الدستور، وما هي المواد التي سيتم تغييرها، وأنه لا يعرف هل سيتم التعديل عن طريق البرلمان أو عن طريق استفتاء شعبي. وقال أن اللجوء إلى الاستفتاء ممكن، لكن ليس مؤكدا.

ماذا نستنتج من هذا الكلام؟ نستنتج أن الوزير الأول لدولة اسمها الجزائر لا يعرف متى سيتم تعديل الدستور، وبأية طريقة، وما محتوى التعديل المقترح. هذا شيء واضح، لا غبار عليه.

وبعدها جاء وزير الداخلية دحو ولد قابلية، ليؤكد بدوره في تصريح أدلى به لقناة العربية خلال زيارة للخليج، ليؤكد أنه هو كذلك لا يعرف محتوى تعديل الدستوري. ويثير تصريح السيد ولد قابلية الاستغراب لأسباب عديدة، منها أنه من الأفضل أن يتكلم أعضاء الحكومة عن مواضيع يعرفون عنها أشياء جديدة لا عن قضايا يجهلون محتواها، خاصة لما يتكلمون عبر قنوات بهذا الحجم. إضافة إلى ذلك، من الأفضل أن يحترم أعضاء الحكومة تقاليد تفرض عليهم أن يعطوا الأولوية للملفات الدولية لما يتدخلون في الخارج، ويتكلمون عن ملفات وطنية خلال وجودهم في الجزائر.

ونلاحظ كذلك أن السيد ولد قابلية يشغل منصب وزير الداخلية، وأنه سيكون أول مسؤول مكلف بعملية الاستفتاء حول الدستور إذا تم التعديل عن طريق الاستفتاء. ويعتبر السيد ولد قابلية من المقربين للرئيس بوتفليقة، وهو من أبناء جيله، ويتعارف الرجلان منذ أكثر من خمسين سنة، ولم يعد السيد ولد قابلية إلى السلطة إلا بفضل الرئيس بوتفليقة، ورغم ذلك كله، فإنه لا يعرف الكثير عن مشاريع الرئيس بوتفليقة ونواياه.

هذا ما نعرف عن الوزير الأول ووزير الداخلية. أما السيد بوتفليقة، فإننا لا نعرف الكثير عن نواياه. ولا أحد يستطيع اليوم أن يقول ماذا يريد الرئيس بوتفليقة من خلال تعديل الدستور، ولماذا يريد تعديله؟ ما يزعجه غي الدستور الحالي؟ وهل هناك أفكار سياسية حقيقية من وراء مشروع تعديل الدستور، أم أن القوم تكلموا مجرد « هدرة وخلاص » عن تعديل الدستور، وهم يبحثون اليوم عما يجب تعديله، مثل الرجل الذي يذهب إلى السوق دون أن يعرف ماذا سيشتري، فيشتري ما وجد؟ وفي هذه الحالة، يجب التذكير أن الدستور يختلف عن القفة التي يعود بها صاحب البيت من السوق…

Publicités
Poster un commentaire

Laisser un commentaire

Entrez vos coordonnées ci-dessous ou cliquez sur une icône pour vous connecter:

Logo WordPress.com

Vous commentez à l'aide de votre compte WordPress.com. Déconnexion / Changer )

Image Twitter

Vous commentez à l'aide de votre compte Twitter. Déconnexion / Changer )

Photo Facebook

Vous commentez à l'aide de votre compte Facebook. Déconnexion / Changer )

Photo Google+

Vous commentez à l'aide de votre compte Google+. Déconnexion / Changer )

Connexion à %s