أموال ابن علي ومبارك: كلمة حق يراد منها باطل

عابد شارف

شنت البلدان الغربية حربا ضروسا ضد الأنظمة المستبدة في العالم العربي، كما أعلنت حربا دون هوادة ضد الرشوة التي يمارسها قادة بلدان الجنوب في إفريقيا وآسيا. وأصبح من الممكن أن نتابع هذه الحروب بصفة مباشرة مثلما تابعنا بكل شفافية سقوط الرئيس حسني مبارك من ساحة التحرير.

وبما أنها معروفة باستضافتها للقادة الأفارقة والعرب، ولأموالهم بصفة خاصة، فإن سويسرا كانت في الصف الأول في الحروب ضد الرشوة. وفي هذا الإطار، قررت الحكومة السويسرية تجميد كل ممتلكات الرئيس حسني مبارك وأقربائه، حتى لا يتمتعوا بالأموال التي نهبوها من الشعب المصري. وقد بادرت سويسرا بهذه القرارات بسرعة فائقة، حيث جاء القرار نصف ساعة فقط بعد الإعلان عن الإطاحة بالرئيس مبارك. وقالت الحكومة السويسرية أن تطبيق القرار سيبدأ حالا، وأنه اتخذ لمدة ثلاث سنوات، وأنه يهدف إلى تجنب أية محاولة لتحويل أملاك الدولة المصرية. ويظهر أن سويسرا تعتبر الأموال التي يتم تحويلها ملكا للقادة ماداموا في السلطة، لكنها تصبح أموال الشعب لما يسقط هؤلاء. وحتى البنوك السويسرية فإنها قد غيرت موقفها. وقد تنازل البنك الوطني السويسري عن كل قواعد السر للإعلان أن أملاك حسني مبارك في سويسرا قد تبلغ 2.27 مليار أورو، وهو التصرف الذي لم تسبق وأن أعلنت عنه أبدا في حق قائد أو حتى مواطن غربي إن لم يتم ذلك بطلب رسمي من العدالة…

وقد انتهجت فرنسا نفس الطريق مع الرئيس التونسي زين العابدين بن علي، وذلك بعد أن رفضت استقباله على إثر سقوط نظامه. وقال الناطق باسم الحكومة الفرنسية منتصف الشهر الماضي أن بلاده تبقى في خدمة السلطات الدستورية التونسية لتحديد طريقة التصرف في أموال الرئيس المخلوع، كما أعلنت فرنسا أنها تجمد أموال حسني مبارك.

وكان موقف بريطانيا الأكثر أناقة، حيث قال وزير التجارة أنه لم يكن على علم بوجود أموال للرئيس حسني مبارك في انجلترا… وأكد الوزير أن بلاده لن تبقى مكتوفة الأيدي أمام هذا الوضع، وأنها ستدرس الملف بدقة، وأن القرارت التي سيتم اتخاذها ستكون مرتبطة بالطريقة التي استعملت لجمع تلك الأموال.

ويبدو للوهلة أولى أن تصرف الغرب مع أموال القادة العرب قد تغير، ولأن البلدان الغربية ستضع حدا لوضع غير أخلاقي كان سائدا منذ زمن طويل. ويؤكد هذا التصرف أن البنوك تكون قد اكتشفت بدورها الأخلاق، وقررت أن تتعامل مع أموال الفقراء بطريقة جديدة.

لكن الحقيقة تختلف جذريا، لأن التدابير التي تتخذها أوربا جاءت تطبيقا لسياسة الخناجر التي تكثر لما يسقط الثور، لا أكثر ولا أقل. وتريد البلدان الأوربية بخطابها الجديد أن تصفي ماضيها وتحسن صورتها لدى الرأي العام عندها وعندنا. أما البنوك، فإن البعض منها تريد ببساطة الاستيلاء على تلك الأموال، أو استغلالها لمدة طويلة جدا. ونذكر مثلا أن إيران قضت أكثر من عشرين سنة لاستعادة جزء قليل من أموال الشاه…

وإذا كانت أوربا صادقة في خطابها الجديد، يكفيها أن تتخذ قرارات بسيطة جدا لتبرهن على ذلك. يكفيها أن تتصرف مع القادة الموجودين في السلطة مثلما تتصرف مع القادة المخلوعين. وأول البلدان الذي وجد نفسه أمام هذا المخرج هو فرنسا، لكن باريس رفضت هذا الحل. وقد قامت جمعيات مختلفة في فرنسا منها منظمة « شفافية دولية » Transparency International و »شاربا » Sherpa وعدد من الجمعيات التي شكلها أفارقة في المنفى، قامت تلك الجمعيات بتقديم ملفات كاملة وشاملة حول الأموال التي حولها القادة الأفارقة.

وجاء في تلك التقارير مثلا أن المرحوم عمر بونغو، الرئيس الغابوني الأسبق وأب الرئيس الحالي، كان يكسب 39 بناية وسبعين حساب بنكي في فرنسا، بينما كان من نصيب الرئيس الكونغولي دونيس صاصو نغيسو 24 بناية و112 حساب بنكي. وذكرت إحدى الجمعيات أن قيمة البنايات التي يكسبها ثلاث رؤساء أفارقة في فرنسا تبلغ 160 مليون دولار، ولا يتعلق الأمر هنا إلا بالأملاك التي تمكنت الجمعيات من رصدها…

فشكرا لأوربا على حجز أملاك ابن علي ومبارك، لكن سيكتمل الأمر إذا أعيدت تلك الأموال كلها وبسرعة للبلدان المعنية، وإذا تم تطبيق نفس الإجراءات على القادة الموجودين في السلطة. أما الباقي، كل الباقي، فهو كذب ودعاية.

الظلام لا يزعج الأعمى

عابد شارف

الاستثمار الأجنبي غير مرغوب فيه في الجزائر: هذا هو الانطباع الذي كان يسود في البلاد منذ سنة، بعد القرارات التي اتخذها الوزير الأول أحمد أويحيى ليفرض مشاركة جزائرية في كل استثمار أجنبي. ومنذ ذلك الوقت، اتخذت الحكومة سلسلة من التدابير التي كانت تهدف كلها إلى إثارة وضع يجعل الاستثمار الأجنبي أمرا صعبا إن لم يكن مستحيلا.

وتكلم في الموضوع كل من يهمهم الأمر، سواء كانوا أصحاب ثروة أو دبلوماسيين أو خبراء. وتدخل صندوق النقد الدولي ليقول أن تلك التدابير زادت في تدهور الجو الاقتصادي في الجزائر، في حين قضت السفارات الأجنبية في الجزائر وقتا طويلا لمحاولة فهم تلك التدابير وأسبابها وأهدافها.

وتزامنت تلك التدابير مع الصعوبات التي واجهتها الشركة المصرية ‘أوراسكوم". فبعد مرحلة كانت "أوراسكوم" مدللة السلطات الجزائرية والفريق الوطني لكرة القدم، اكتشفت الإدارة الجزائرية أن الشركة المصرية لم تدفع ما عليها من الضرائب، و أجبرتها إلى تسديد … إضافة إلى كل الضرائب السابقة، فاضطرت أوراسكوم إلى دفع 580 مليون دولار في ظرف قصير جدا.

وقال الخبراء يومها أن الجزائر فامت بتلك الخطوة في إطار "الوطنية الاقتصادية" التي تبناها الرئيس عبد العزيز بوتفليقة وقام بتطبيقها الوزير الأول أحمد أويحيى. وقال البعض أن الجزائر لن تكتفي بمنع الاستثمار الأجنبي من دخول البلاد، بل أنها ستذهب إلى أبعد من ذلك لتحاول أن تستولي على المؤسسات التي سبق لها وأن استقرت في البلاد.

وجاء سياسيون بعدهم ليشرحوا ما يحدث. فقال البعض أن الجزائر لم تقبل أبدا الانفتاح الاقتصادي، وأن كل ما قامت به في هذا الاتجاه كان نتيجة للصعوبات التي عاشت ها البلاد في التسعينات، مما دفعها إلى تطبيق بعض توجيهات صندوق النقد الدولي. وقال آخرون أن هناك كتلة في السلطة كانت معارضة لليبرالية الاقتصادية، لكنها كانت في موقع ضعف. وتكون هذه الكتلة قد عادت بقوة لتفرض نفيها كما يدل على ذلك تراجع رموز الليبرالية من أمثال شكيب خليل وعبد الحميد تمار. وقالت تيار ثالث أن الجزائر تريد العودة إلى افتصاد الدولة لأن المسيرين الجزائريين لا يعرفون شيء آخر. إنهم يعيشون في عالم بيروقراطي لا يعرف كيف يتعامل مع السوق، كما أن هذه البيروقراطية تخشى أن تضيع منها السلطة إلى اصبح السوق سائدا في البلاد. ولذلك قررت البيروقراطية منع الاستثمار الأجنبي وحاولت الاستيلاء على الشركات الأجنبية الموجودة في البلاد، علما أن المؤسسات الجزائرية لا تعيش إلا بفضل مزايا البيروقراطية. ومن هنا جاءت مثلا محاولة شراء شركة "أوراسكوم الجزائر" ومنع شركة "أم تي أن" MTN من جنوب إفريقيا أن تتفاوض لشرائها.

وفي هذا الوضع جاء إضراب الحجار الأسبوع الماضي. وكان الكل يتابع مجريات الأزمة التي شنها ما يقارب خمسة آلاف عامل احتجاجا على الإدارة التي عينتها شركة "أرسيلور ميطال" Arcelor Mittal. وكان الكل ينتظر كيف تتصرف السلطات الجزائرية تجاه الأزمة: هل يتترك العمال يفرضون موقفهم، مما يوحي أن السلطات الجزائرية لا ترغب في بقاء "أرسيلور ميطال"، أم أنها ستدفع نحو انفراج يرضي الشركة الهندية ويعطي ضمانات للشركاء الأجانب؟ وكان الجميع يعتبر أن الامتحان مهم جدا.

وجاء الجواب على صيغة لم يكن ينتظرها أحد. وقد قال أحد متتبعي الأزمة أن الإدارة لم تكتف بإرضاء "أرسيلور ميطال"، بل جندت كل آلياتها من أجل ذلك. وقد دفعت زعيم نقابة الحجار إلى الاستقالة، وجندت عبد المجيد سيدي سعيد ليضع حدا للإضراب، كما قامت العدالة بإصدار حكم يفتي بعدم شرعية الإضراب… وجاء هذا الانفراج لصالح الاستثمار الأجنبي، وكأن الحكومة تريد تصحيح أخطاء الماضي تجاه الاستثمار الأجنبي.

لكن الأمور أكثر تعقيدا كما يقول أحد متتبعي الملف. ويرى هذا الخبير أن الحكومة تريد التخلص من مركب الحجار لأن تسييره معقد، ولذلك فإن التعامل معه يختلف عن باقي المؤسسات. ويبقى الغموض يسود مصير الاستثمار الأجنبي، ويبدو أن هذا الغموض يشكل العنصر الأساسي في استراتيجية الحكومة الجزائرية… ومعروف أن الغموض لا يزعج الأعمى…

الظلام لا يزعج الأعمى

عابد شارف

الاستثمار الأجنبي غير مرغوب فيه في الجزائر: هذا هو الانطباع الذي كان يسود في البلاد منذ سنة، بعد القرارات التي اتخذها الوزير الأول أحمد أويحيى ليفرض مشاركة جزائرية في كل استثمار أجنبي. ومنذ ذلك الوقت، اتخذت الحكومة سلسلة من التدابير التي كانت تهدف كلها إلى إثارة وضع يجعل الاستثمار الأجنبي أمرا صعبا إن لم يكن مستحيلا.

وتكلم في الموضوع كل من يهمهم الأمر، سواء كانوا أصحاب ثروة أو دبلوماسيين أو خبراء. وتدخل صندوق النقد الدولي ليقول أن تلك التدابير زادت في تدهور الجو الاقتصادي في الجزائر، في حين قضت السفارات الأجنبية في الجزائر وقتا طويلا لمحاولة فهم تلك التدابير وأسبابها وأهدافها.

وتزامنت تلك التدابير مع الصعوبات التي واجهتها الشركة المصرية ‘أوراسكوم". فبعد مرحلة كانت "أوراسكوم" مدللة السلطات الجزائرية والفريق الوطني لكرة القدم، اكتشفت الإدارة الجزائرية أن الشركة المصرية لم تدفع ما عليها من الضرائب، و أجبرتها إلى تسديد … إضافة إلى كل الضرائب السابقة، فاضطرت أوراسكوم إلى دفع 580 مليون دولار في ظرف قصير جدا.

وقال الخبراء يومها أن الجزائر فامت بتلك الخطوة في إطار "الوطنية الاقتصادية" التي تبناها الرئيس عبد العزيز بوتفليقة وقام بتطبيقها الوزير الأول أحمد أويحيى. وقال البعض أن الجزائر لن تكتفي بمنع الاستثمار الأجنبي من دخول البلاد، بل أنها ستذهب إلى أبعد من ذلك لتحاول أن تستولي على المؤسسات التي سبق لها وأن استقرت في البلاد.

وجاء سياسيون بعدهم ليشرحوا ما يحدث. فقال البعض أن الجزائر لم تقبل أبدا الانفتاح الاقتصادي، وأن كل ما قامت به في هذا الاتجاه كان نتيجة للصعوبات التي عاشت ها البلاد في التسعينات، مما دفعها إلى تطبيق بعض توجيهات صندوق النقد الدولي. وقال آخرون أن هناك كتلة في السلطة كانت معارضة لليبرالية الاقتصادية، لكنها كانت في موقع ضعف. وتكون هذه الكتلة قد عادت بقوة لتفرض نفيها كما يدل على ذلك تراجع رموز الليبرالية من أمثال شكيب خليل وعبد الحميد تمار. وقالت تيار ثالث أن الجزائر تريد العودة إلى افتصاد الدولة لأن المسيرين الجزائريين لا يعرفون شيء آخر. إنهم يعيشون في عالم بيروقراطي لا يعرف كيف يتعامل مع السوق، كما أن هذه البيروقراطية تخشى أن تضيع منها السلطة إلى اصبح السوق سائدا في البلاد. ولذلك قررت البيروقراطية منع الاستثمار الأجنبي وحاولت الاستيلاء على الشركات الأجنبية الموجودة في البلاد، علما أن المؤسسات الجزائرية لا تعيش إلا بفضل مزايا البيروقراطية. ومن هنا جاءت مثلا محاولة شراء شركة "أوراسكوم الجزائر" ومنع شركة "أم تي أن" MTN من جنوب إفريقيا أن تتفاوض لشرائها.

وفي هذا الوضع جاء إضراب الحجار الأسبوع الماضي. وكان الكل يتابع مجريات الأزمة التي شنها ما يقارب خمسة آلاف عامل احتجاجا على الإدارة التي عينتها شركة "أرسيلور ميطال" Arcelor Mittal. وكان الكل ينتظر كيف تتصرف السلطات الجزائرية تجاه الأزمة: هل يتترك العمال يفرضون موقفهم، مما يوحي أن السلطات الجزائرية لا ترغب في بقاء "أرسيلور ميطال"، أم أنها ستدفع نحو انفراج يرضي الشركة الهندية ويعطي ضمانات للشركاء الأجانب؟ وكان الجميع يعتبر أن الامتحان مهم جدا.

وجاء الجواب على صيغة لم يكن ينتظرها أحد. وقد قال أحد متتبعي الأزمة أن الإدارة لم تكتف بإرضاء "أرسيلور ميطال"، بل جندت كل آلياتها من أجل ذلك. وقد دفعت زعيم نقابة الحجار إلى الاستقالة، وجندت عبد المجيد سيدي سعيد ليضع حدا للإضراب، كما قامت العدالة بإصدار حكم يفتي بعدم شرعية الإضراب… وجاء هذا الانفراج لصالح الاستثمار الأجنبي، وكأن الحكومة تريد تصحيح أخطاء الماضي تجاه الاستثمار الأجنبي.

لكن الأمور أكثر تعقيدا كما يقول أحد متتبعي الملف. ويرى هذا الخبير أن الحكومة تريد التخلص من مركب الحجار لأن تسييره معقد، ولذلك فإن التعامل معه يختلف عن باقي المؤسسات. ويبقى الغموض يسود مصير الاستثمار الأجنبي، ويبدو أن هذا الغموض يشكل العنصر الأساسي في استراتيجية الحكومة الجزائرية… ومعروف أن الغموض لا يزعج الأعمى…

نساند الخضر أو عمال الحجار؟

الإضراب في مركب الحجار شيء عادي… أما الإضراب خلال منافسات كأس العالم فذاك غير مقبول، لأنه لا يمكننا أن نساند الخضر وعمال الحجار في نفس الوقت…

عابد شارف

دخل عمال مصنع الحجار في إضراب جديد منذ الاثنين الماضي. ومن المفروض ألا تثير العملية الاحتجاجية صدى كبيرا، لأن المؤسسات الجزائرية تعاني من هذه الظاهرة يوميا. لكن الإضراب يختلف هذه المرة. إنه يتجاوز طابع العمل الاحتجاجي، ليعطي صورة عن التناقضات التي يعاني منها المجتمع الجزائري. ومع هذا الإضراب، تظهر هشاشة المؤسسات الجزائرية المكلفة بتسيير ملفات كبرى. ويمس الإضراب رمزا من الرموز التي كانت تحمل آمال الجزائر في السبعينات، قبل أن تظهر رموز جديدة لتقضي عليها.

وأول الرموز التي تتعلق بالإضراب هو الحجار نفسه. لقد كان مصنع الحجار رمزا لطموحات الجزائر في عهد هواري بومدين، وأحد أكبر المشاريع التي كان يراد منها أن تسمح للبلاد أن تدخل عالم الصناعة. وكان الحجار مفخرة للجزائر خلال مدة طويلة، قبل أن تستولي عليه قوة قضى هواري بومدين جزء من حياته في محاربتها، وهي الشركات الكبرى. ويتعلق الأمر بشركة "أرصيلور ميطال" Arcelor Mittal لصاحبها الهندي لاشكي ميطال، وهي الشركة التي يبلغ رقم أعمالها المنتوج الوطني الخام لبلد مثل تونس.

ومنذ استلائهم على الحجار، قام إطارات المؤسسة الهندية بتغيير جذري في طبيعة وأهداف المصنع. وقد كان أصحاب المشروع الأصليون يريدون من الحجار أن يتحول إلى قاطرة تدفع كل المنطقة إلى الصناعة، وتضمن التشغيل لآلاف العمال، لتصبح قوة اقتصادية وسياسية. أما إطارات "أرصيلور ميطال"، فإنهم حولوا المصنع إلى مصدر للإنتاج والأرباح، بعد عملية إعادة تنظيم كبرى دفعتهم إلى التخلي عن نصف العمال الأصليين. ويتكون طاقم الشركة حاليا من إطارات جاؤوا من مدارس "وال ستيريت" Wall Street، هدفهم الأساسي تحسين أرباح الشركة ورفع قيمتها في البورصة.

وتواجههم نقابة لم تتخلص بعد من التسيير الاشتراكي لمؤسسات، حيث مازالت تطالب بالمشاركة في التسيير وتحديد الأهداف وفرض حجم الاستثمارات. ومازالت تلك النقابة تعتقد أن ممثل شركة "أرصيلور ميطال" يخضع للوالي، وأن فيدرالية الحديد التابعة للاتحاد العام للعمال الجزائريين تشكل قوى ضاربة يمكن لها أن تواجه صاحب الشركة الهندية.

ومن جهة أخرى، فإن الشركة الهندية دخلت العولمة من بابها الواسع، حيث أن صاحبها جاء من الهند ليستقر في لندن ويشتري المصانع القديمة في البلدان الشرقية ليبني إمبراطورية صناعية. وفي المقابل، مازالت نقابة الحجار تتعامل مع الوضع مثلما كانت تفعل مع المؤسسات العمومية التي تتلقى تعليماتها من الوالي.

وكانت شركة "أرصيلور ميطال" قد تحصلت على مصنع الحجار في مرحلة كانت الحكومة الجزائرية تبيع كل ما يمكن بيعه، وكانت النقابة التي ينتمي إليها المضربون تساند الحكومة التي قامت بالخوصصة، وهي نفس الحكومة التي تقوم اليوم بتسيير شؤون البلاد. ولا تعرف النقابة اليوم هل أن الحكومة حليفة لها في مواجهة الشريك الخارجي أم أنها متواطئة معه؟

وعلى صعيد أوسع، تمكنت "أرصيلور ميطال" أن تجعل من مصنع الحجار مؤسسة رابحة بعد التغييرات الجذرية التي قامت بها. ومثلما يحدث مع الشركات الأخرى العاملة في ميدان الأشغال العمومية والهاتف النقال والنقل وغيره، فإن ألشركة الهندية بدأت تحصل على أرباح ضخمة تقوم بتحويلها إلى الخارج، وذاك طبيعي بالنسبة لها، لكنه يثير غضب العمال الذين يعتبرونه ظلما في حقهم لأن نفس الشركة ترفض أن تقتسم معهم الأرباح…

ولا نعرف من المذنب في هذه القضية. هل هي الحكومة التي تنازلت عن المصنع، وتركت نقابة مسكينة في مواجهة إحدى أكبر الشركات العالمية؟ أم هل أن شركة "أرصيلور ميطال" هي المذنبة لأنها لا تراعي المصالح الوطنية ؟ أم هل أن النقابة هي المذنبة، لأنها قامت بإضراب خلال منافسات كأس العالم لكرة القدم؟

وزارة تحرض على الإضراب


لا يأتي الإضراب حتما من النقابات أو من
الأحزاب اليسارية المتطرفة… يمكن أن يأتي الإضراب من الوزارة، بسبب عجزها
، أو رفضها
الحوار.

عابد شارف

صدق أبو بكر لما قال أن قطاع التربية فضاء
استراتيجي يفرض على كل القوات الحية في المجتمع أن تعمل للحفاظ عليه وعلى
استقراره. وصدق وزير التربية لما قال في رسالة موجهة إلى المعلمين أن اللجوء
المستمر إلى الإضرابات يعارض الهدف المنشود والمتمثل في تحسين فعالية النظام
التربوي. ويصيب السيد ابن بوزيد مرة ثالثة لما يقول أن الإضراب الذي دعت إليه هذا
الأسبوع نقابات التعليم يأتي رغم أن النظام التربوي لم يتخلص بعد من مخلفات إضراب
نوفمبر الماضي.

لكن إذا كان السيد ابن بوزيد صادقا في هذه
النقاط الثلاث، فإن ذلك لا ينفعه كثيرا، حيث لا يمكن مساندة من يعمل لضرب استقرار
المنظومة التربوية، ولا أحد يوافق اللجوء العشوائي إلى الإضراب. وإذا سألنا
المعلمين أنفسهم، فإنهم يعترفون أن إضراب نوفمبر الماضي خلف تأخرا في البرنامج
الدراسي وأحدث اضطرابا في الدراسة لا يمكن القضاء عليه في فترة قصيرة.

ويتضح ضعف وضعية الوزير لما يعترف بشرعية بمطالب
نقابات التربية، ويتكلم نقطة بنقطة عن القضايا التي تعتزم وزارته أن تراجعها لتلبية
تلك المطالب. ولكن إن كانت المطالب مشروعة، لماذا لم تتخذ الوزارة إجراءات
لتطبيقها قبل الإضراب؟ لماذا انتظرت أن يدخل المعلمون في إضراب يضر التلاميذ ويهدد
استقرار المدرسة لتقبل المفاوضات وتعترف بشرعية المطالب؟ أليس تصرف الوزارة هو
الذي يدفع المعلمين إلى استعمال الإضراب كوسيلة أساسية للاحتجاج بما أن الوزارة لا
تستجيب إلا للمنظمات التي تستطيع أن تزعزع المنظومة التربوية؟

واستيقظت الوزارة عشية الإضراب لتؤكد مرة
أخرى أنها ستلبي كل ما يطلبه المعلمون وما لم يطلبوه، وذلك حتى تتجنب الإضراب. وفي
الماضي سبق لها أن رفضت التفاوض مع النقابات، ولم تفتح معهم الحوار إلا تحت الضغط.
وهذا التصرف نفسه يدفع المعلمين إلى الإضراب عند كل صغيرة وكبيرة، لأن الوزارة
برهنت من خلال تصرفها أنها لا تبالي بالمعلمين إلا إذا تعفن الوضع.

ومن جهة أخرى، فإن الوزارة قالت أنه سيتم
تطبيق التعويضات التي تم الاتفاق عليها بأثر رجعي ابتداء من جانفي 2008. ويعني ذلك
أن حقوق المعلمين كانت مهضومة منذ سنتين، دون أن تتحرك الوزارة لتصحيح الوضع. ولما
أعلنت النقابات عن الإضراب في بداية السنة المدرسية، بقيت الوزارة تتفرج دون اتخاذ
مبادرات تذكر. ودخل المضربون في مواجهة عنيفة مع الوزارة، التي انتظرت تعفن الوضع
والتهديد بمصير التلاميذ لتقول في نهاية الأمر أنها ستلبي كل مطالب المضربين. هذا التنازل
يعني أن الوزارة كانت مخطئة، وأنها تتحمل مسئولية ما ترتب عن الإضراب… وإذا كنا نعرف
أن الوزارة تملك السلطة الكافية لتعاقب المعلمين إذا أخطئوا، فمن يعاقب الحكومة
إذا أخطأت واعترفت بخطئها؟

ويطرح موقف الوزارة تجاه الإضراب وموقف
النقابات التي تدعو إلى الإضراب قضية المسئولية والحكمة في تسيير شئون البلاد.
ويتضح من خلال ما تقوله الوزارة أنها فشلت في تسيير النزاعات، وأنها فشلت حتى في
التسيير العادي للمنظومة المدرسة. ويؤكد ذلك ما حدث في الوزارة خلال الأشهر
الثلاثة الماضية منذ إضراب نوفمبر: إما أن إن الوزارة عجزت عن تطبيق التزاماتها،
وأنها لا تريد تطبيق تلك الالتزامات. ولا نعرق أي الاحتمالين أخطر…

ولا يمكن للمعلمين أن ينكروا هذا الواقع في
عملياتهم الاحتجاجية. إن الوزارة قد ماتت، مثلما حدث لوزارة الصحة التي تكلمنا
عنها في عدد سابق. وهذا ما يعود بنا إلى دور الإدارة في المجتمع الجزائري، ودور
الدولة بصفة عامة. فبينما كنا ننتظر من الدولة أن تكون رائدة، وأن تسبق النقابات
والمنظمات والمواطنين في التحليل والتفكير والتخطيط وتحضير المستقبل، والتكفل
بالمواطنين سواء كانوا معلمين أو أطباء أو تلاميذ أو مرضى، فإذا بنا نجد أن هياكل
الدولة لا تكتفي يعجزها عن تسيير أبسط الأمور، بل أن تصرفها أصبح يشكل تهديدا
للسلم والاستقرار.

شراكة تؤدي إلى الهلكة

أدى اتفاق الشراكة
بين الجزائر والاتحاد الأوربي إلى فشل واضح… ولكن ما العمل حتى لا يتم تصحيح
الخطأ لخطأ أكبر؟

عابد شارف

لماذا أدى اتفاق
الشراكة مع الاتحاد الأوربي إلى تراجع الاقتصاد الوطني بدل أن يؤدي إلى الانتعاش
الذي كان منتظرا؟ جاءت هذه النتيجة لأن تحضير المفاوضات حول اتفاق الشراكة كان فاشلا،
ولأن المفاوضات نفسها لم تتم بالطريقة المطلوبة في هذه الظروف، ولأن تطبيق القرار
تم بطريقة عشوائية، فلم تستطع المؤسسات الجزائرية من استغلاله بينما استطاعت
الشركات الأوربية أن تفرض نفسها في السوق الجزائرية.

وقد جاءت هذه
الاعترافات على لسان مسئولين سامين، قالوا أن الجزائر لم تكن جاهزة للتفاوض ولا
لتطبيق اتفاق مع الاتحاد الأوربي. وجاء مضمون الاتفاق في غير صالح المؤسسات الجزائرية
في ذلك الوقت بالذات لأنها كانت في وضع لا يسمح لها بدخول المنافسة في ظروف مقبولة.
وقد أدت مراجعة الضرائب الجمركية مثلا إلى انخفاض أسعار السلع الأوربية، مما أدى
بدوره إلى ارتفاع هائل للواردات.ونتج عن ذلك تحطيم ما تبقى من المؤسسات الصناعية
الجزائرية. وتكرست النزعة السائدة في الاقتصاد الجزائري حيث تطغى عليه عمليات
الاستيراد، حيث تضاعفت الواردات في سنتين بين 2007 و2009 لتبلغ أربعين مليار
دولار…

وانكشفت العورة إلى
حد غريب. فقد قال مسئولون عن الملف الأوربي أن المكلفين بالمفاوضات تلقوا تعليمات
للتوصل إلى اتفاق في ظرف قصير جدا، وأضافوا أنهم كانوا يتفاوضون دون أن يحددوا إستراتيجية،
ودون تعليمات سياسية باستثناء ضرورة الوصول إلى اتفاق في أقرب الآجال. وكانت
المفاوضات تجري دون أن يكون فريق المفاوضين الجزائريين منظما ومهيكلا، إلى درجة
أنه لم يكن للمفاوضين مسئول يتمتع بصلاحيات واضحة… وحتى اليوم، مع صدور هذه
الأخبار في الصحافة، نلاحظ أن وزارة التجارة مازالت تتهم وزارة الشئون الخارجية
بالتقصير في تحضير المفاوضات، وكأننا نتكلم عن خلاف بين أصحاب حوانيت لا بين
مؤسستان دولة أو بين وزراء ينتمون إلى نفس الحكومة.

وقد تأكد اليوم أن اتفاق
الشراكة مع الاتحاد الأوربي قد أدى إلى نتائج خطيرة بالنسبة للاقتصاد الوطني، مما
يدفع إلى التساؤل: هل يمكن تصحيح الخطأ وترقيع ما يمكن ترقيعه؟ نظريا، هذه
الإمكانية مطروحة، خاصة وأن الطرفين ينظمان لقاءات دورية لتقييم الاتفاق. لكن يقول
أحد الخبراء المكلفين بالملف إن الوفد الجزائري يبقى في وضعه السابق، لا يعرف
الانسجام، كما أنه ينتظر التوجيهات السياسية.

ومن المعروف أن نفس
الأسباب تؤدي إلى نفي النتائج. وعند إمضاء اتفاق الشركة، كانت السلطة التنفيذية في
الجزائر تتكون من نفس المشاركين، مع السيد عبد العزيز بوتفليقة في الرئاسة، وقادة
الأفالان والأرندي في الحكومة، وحضور حماس في التحالف الرئاسي. وهذا ما لا يدفع
إلى التفاؤل في عملية مراجعة الاتفاق، لأن هؤلاء فشلوا في المفاوضات الأولى،
فلماذا سينجحون هذه المرة؟

والحقيقة أن ملف اتفاق
الشراكة مع الاتحاد الأوربي يطرح من جديد قضية المشاريع والقضايا الكبرى المطروحة
في الأجندة السياسية للبلاد. إن الفصل في مثل هذه الملفات لا يتم من طرف حكومة لوحدها،
ولا يتم بأية طريقة كانت، ولا يمكن أن يتكفل به الخبراء لوحدهم لأنهم لا يكسبون
الشرعية الضرورية لذلك. إن هذه القضايا تحدد مستقبل البلاد لعشرات السنين، وتفرض
ضبط العملية بطريقة جدية لتوفير أحسن الشروط من أجل نجاحها.

ونحن نتكلم اليوم عن
اتفاق الشراكة مع الاتحاد الأوربي، وسنتكلم غدا عن إقامة فضاء اقتصادي مشترك في
المغرب العربي، أو الاندماج الاقتصادي على الصعيد الإفريقي أو في المنطقة العربية
للتبادل الحر. كل هذه القضايا تفرض على أية حكومة أو سلطة أن تقوم بعملية تشاور
كبرى، مع تنظيم نقاش وطني تشارك فيه كل القوى السياسية، من أجل تحديد الرهانات،
والحصول على أكبر إجماع وطني ممكن، حتى لا يتم التراجع عن القرار بمجرد تغيير وزير
أو حكومة أو رئيس.

وبالتوازي مع عملية
التشاور، من المفروض أن يتم تحديد أولويات البلاد للعشريات القادمة، حتى تعرف
البلاد أي اتجاه يجب اتخاذه. وعندها يمكن الخوض في المفاوضات بطريقة جدية منسجمة
مع ترتيب الأولويات والأدوار وتحديد الأهداف. وقد تأسف الكثير مثلا لما رأوا أن
بلدان المغرب العربي دخلت في مفاوضات مع أوربا بصفة منعزلة ودون تشاور بينها.

ويقال أن الجزائر
تعلمت طرق وشروط التفاوض منذ معاهدات إيفيان، وأنها تعلمت كيف تحضر الميدان لكل
المفاوضات، وأنها قامت بتكوين رجال مختصين يشهد لهم العالم في تقنيات التفاوض. كل
هذا صحيح، لكنه لا يؤدي إلى أية نتيجة إذا لم تكن المفاوضات ترتكز على سياسة قوية وأهداف
واضحة وخطة مضبوطة. وأكثر من هذا، يجب أن يكون المتفاوض يتمتع بشرعية قوية لا يطعن
فيها أحد. وهذا ما ينقض الحكومات المتتالية التي تكفلت باتفاق الشراكة مع الاتحاد
الأوربي، مما دفع الجزائر إلى إبرام اتفاق يقضي على اقتصادها ويضر بمؤسساتها ولا
يأتي بفائدة على الأمد الطويل حيث أن النتيجة النهائية كانت فتح الحدود أمام المنتوج
الأوربي لا أكثر ولا أقل.

 

أمريكا في هايتي: مساعدات إنسانية واحتلال أنيق

دخلت الواليات المتحدة بقوة إلى هايتي، في تجربة جديدة للسيطرة على
بلدان ضعيفة بطرق سلمية وبمساندة دولية.

عابد شارف

قررت الولايات المتحدة نشر أكثر من عشرة آلاف جندي في هايتي وفي
المياه المحيطة بها، كما تقدمت أمريكا بمساعدات ضخمة لصالح هذا البلد بعد المأساة
التي أصابته جراء زلزال 12 جانفي الماضي. وأقدمت أمريكا بطائراتها وبواخرها
ومعداتها المدنية والعسكرية، دون أن يثير ذلك ردود فعل تذكر مثلما كان يحدث في
السابق عندما يتحرك الجيش الأمريكي.

وقد واجه العالم القرار الأمريكي الذي أدى إلى استيلاء مقنع على هايتي
بشعور متناقض. فمن جهة انزعج البعض بسبب الطريقة التي استعملها الأمريكيون للاستيلاء
على المطار والميناء واستعمالهم لصالح الجيش والمعدات الأمريكية بالدرجة الأولى،
لكن أغلبية بلدان العالم تلقت ذلك بارتياح محتشم، وكان الكل يقول أن تكفل أمريكا
بهايتي يجنبهم القيام بواجبهم الإنساني.

أما أمريكا، فإنها شنت عملية كبرى لتصحيح صورتها في عدد من البلدان
وعند الرأي العالم الأجنبي بصفة عامة. ولا شك أن أمريكا تريد أن تغير صورة الجندي
الأمريكي في العراق وفي أفغانستان بصورة أخرى للجندي الأمريكي الذي يوزع المواد
الغذائية ويداوي أطفال هايتي ويعيد النظام ويضمن الاستقرار في بلد كان يعاني منذ
عشرات السنين من انعدام الأمن.

وقد شجعت الموجة الكبرى من التعاطف التي اجتاحت العالم أمام الصورة
الواردة من هايتي، شجعت الأمريكيين على الاندفاع بقوة في هذا البلد الفقير. وقد
خلف زلزال 12 جانفي أكثر من 150 ألف قتيل، مما يجعل منه إحدى أكبر الكوارث
الطبيعية في بداية هذا القرن. إضافة إلى ذلك، فإن هايتي من أفقر البلدان في
العالم، ولم يكن قادرا حتى على دفن موتاه. وأمام حجم الكارثة، اقتنع الكثير أن
مساعدة هذا البلد لا يمكن أن يتم إلى عن طريقة تدخل ضخم من قوة هائلة، ولا توجد
إلا الولايات المتحدة للقيام بهذا العمل.

لكن دخول أمريكا إلى هايتي لا يقتصر على دوافع إنسانية فقط، بل أن
الدوافع السياسية والأمنية كانت موجودة بقوة إن لم تكن أساسية في القرار الأمريكي.
وانتشار المارينز في المياه الحيطة بهايتي يهدف بالدرجة الأولى إلى منع هجرة
جماعية نحو أمريكا عن طريق البحر.

إضافة إلى ذلك، فإن الولايات المتحدة تريد أن تقول للعالم كله أن
بلدان أمريكا تبقى من دائرتها الخاصة، ولا يحق لأحد أن يتدخل فيها. ويتوجه الخطاب
بصفة خاصة إلى كوبا المسكينة التي توجد بالقرب من هايتي لكنها لا تكسب قوة التدخل
الأمريكية، وإلى فنزويلا التي أكثرت الكلام، وفرنسا التي أبدت عواطف كبيرة وعملا
صغيرا.

ومن جهة أخرى، فإن الولايات المتحدة تخشى إلى حد بعد انهيار الدولة في
هايتي، مما يجعل من هذا البلد "دولة فاشلة"، أي دولة غير قادرة على
القيام بالمهام التقليدية للدولة من حفظ الأمن وتنظيم الإدارة وغيرها، وهو الوضع
الخطير جدا في نظر أمريكا لأنه يفتح المجال أمام كل المغامرات. ومن الاحتمالات
الواردة عند انهيار الدولة، تخشى أمريكا استيلاء عصابات إجرامية أو إرهابية على
هايتي مثلا لتجعل منه مركزا لنشاطات دولية واسعة.

واختارت أمريكا هذه المرة أن تستعمل وسائل سلمية، بطلب علني أو ضمني
من العالم، لتبسط يدها على هايتي. ولن تكلفها هذه الطريقة الكثير، عكس الطريقة
التقليدية التي كان يستعملها الرئيس الأسبق جورج بوش. وإذا نجحت هذه التجربة
الجديدة فلا شك أن الولايات المتحدة ستحاول توسيعها إلى بلدان أخرى، ولعل أول مرشح
لذلك هو اليمن الذي يعاني من اضطرابات متكررة دون أن تتوفر لديه الإمكانيات
المالية والمعدات لمواجهتها. وستكتفي أمريكا بانتظار اللحظة التي يجد فيها اليمن
نفسه في حالة تفرض عليه أن يطلب يد المساعدة، تحت ضغط الأحداث. وستظهر أمريكا أنها
جاءت لإنقاذ بلد من الانفجار، لا لاحتلاله.

هذه هي الخطة، وهذا هو المشروع… أما عن تطبيقها ميدانيا واحتمال
نجاحها، فذاك أمر آخر…

تجارة الحقد والكراهية

مطاردة
الأفارقة في إيطاليا… نشر الكراهية ضد الجزائر في مصر… معاداة الأجانب في
فرنسا… مازالت تجارة الكراهية منتشرة رغم رحيل جورج بوش…

عابد
شارف

تكررت
أعمال العنف ذات الطابع العنصري في إيطاليا. وقد خلفت المواجهات هذه المرة أكثر من
سبعين جريحا خلال مظاهرة قام بتنظيمها مهاجرون غير شرعيون للتنديد بالعنصرية
وأعمال العنف التي جعلت منهم الضحية الأولى للأزمة في إيطاليا. وفي نفس الوقت، نشر
كاتب إيطالي من أصل سنغالي كتابا يشرح فيه كيف يتعامل معه الإيطاليون، وهو التعامل
الذي لا يخلو من العنصرية.

وقد
انتشر هذا التعامل مع الأجانب، وخاصة الفقراء والضعفاء منهم، وأصبح تصرفا عاديا لا
يتأثر به الرأي العالم في العديد من البلدان الأوربية. وأعطى المثل رئيس الوزراء
الإيطالي سيلفيو برلسكوني نفسه، ليؤكد عدم المبالاة بهذه الأعمال العنصرية، حيث لم
يتكلم عنها السيد برلسكوني في تصريحاته الأولى لما عاد إلى الواجهة بعد غياب دام
شهرا كاملا.

وسبق
للسيد برلسكوني أن وقع ضحية اعتداء من طرف أحد المواطنين الذي ضربه بتمثال صغير
على الوجه، مما فرض على الوزير الأول الإيطالي أن يحتجب لمدة شهر، إلى أن اختفت من
وجهه علامات الضرب. ولا شك أن السيد برلسكوني قد استعمل ثروته ومنصبه ونفوذه
للحصول على أحسن الأدوية وأحسن الأطباء للشفاء بسرعة، ورفض أن يظهر أمام الجمهور
خلال تلك الفترة. وكيف يظهر أمام الملأ هذا الرجل الذي تجاوز السبعين سنة ومازال
يتصرف وكأنه شاب لم يبلغ العشرين في حياته الخاصة، مما أدى زوجته إلى طلب الطلاق،
كما أصبح السيد برلسكوني موضوع سخرية في كل عواصم العالم.

لكن
هذا الرجل الذي نسي الحياء في حياته الخاصة نسي كذلك آلام الفقراء والضعفاء وكل من
لم تبتسم لهم الحياة. وقد تبنى السيد برلسكوني خطابا يمينيا أدى به إلى التحالف مع
حزب يميني متطرف يقول  أنه وريث موصولوني
الفاشي. وبعد مزج خطاب برلوسكوني بخطاب حلفائه، تحول الخطاب السياسي لليمين
الإيطالي إلى شعارات عنصرية تنادي بطرد الأجانب بعد اتهامهم أنهم مسئولين عن
الأزمة ونتا\جها.

ومعروف
أن الأزمات تدفع إلى البحث عن أناس أو فئات يتم اتهامهم بأنهم كانت سبب الأزمة.
وغالبا ما يتم تحديد الضحايا لأنهم في أسفل السلم الاجتماعي. وأحسن ضحية في هذا
الحال ذلك المسكين الذي يحمل كل العيوب: إفريقي، أسود، فقير، موجود في البلاد
بطريقة غير شرعية. ويخرج السيد برلسكوني رابحا في كل الحالات، حيث يضرب عدة عصافير
بحجر واحد. فكلما تكلمت الصحافة عن أعمال العنف العنصرية، فإنها ستتجنب الكلام عن
الفضائح التي يغرق فيها السيد برلسكوني، سواء تلك المتعلقة بالرشوة أو بالمغامرات
العاطفية لرئيس الحكومة.

وقد
اجتمعت في إيطاليا عدة عوامل تغذي العنف، منها انهيار القيم الأخلاقية، وعجز
المؤسسات عن محاربة بعض الظواهر مثل الرشوة، إلى جانب الشكوك حول تورط أكبر
المسئولين في الفساد. ويقول المحللون منذ سنوات أن إيطاليا أصبحت جاهزة لتكون
مسرحا للعنف، ولم يبق إلا معرفة طبيعة هذا العنف، هل سينجم عن اليسار المتطرف
مثلما حدث في السبعينات، أم أنه سيأخذ شكلا آخر، فجاء العنف على شكل أعمال عنصرية
ضد الأفارقة,

نفس
الخطاب حول الأجانب أدى في سويسرا إلى تصويت ضد بناء المساجد، في عملية أظهرت أن
المجتمعات التي تبدو هادئة مسالمة تحمل هي كذلك قسطها من الكراهية والعنصرية. وفي
فرنسا كذلك، يتم تنظيم نقاش وطني حول الهوية، وهو النقاش الذي تحول تدريجيا إلى
منبر للعنصرية والكراهية.

ويجب
أن نعترف أن الكراهية ليست حكرا على بلدان الشمال، بل أنها موجودة كذلك في بلدان
الجنوب، ولو أنها لا تظهر بنفس الطريقة التي نراها في البلدان الغنية. ويكفي أن
نذكر بالتصرف المصري تجاه الجزائر، لما أجمع جزء كبير من الصحافة والمؤسسات وأهل
الأمر والنهي في مصر ليتهموا الجزائر بكل عيوب الدنيا، حيث أصبحت الجزائر أصل
المشكلة التي أصابت مصر منذ هزيمة 67 إلى الفشل الاقتصادي والصعوبات التي يواجهها
جمال مبارك للوصول إلى السلطة.

وأخيرا
نتساءل ما الفرق بين منشط التلفزيون المصري الذي يتهم الجزائر بأقبح الصفات،
والوزير الأول الإيطالي الذي يتحالف مع حزب يطالب بطرد كل الأجانب، والوزير
الفرنسي الذي ينظم نقاشا ليعرف من يستحق الهوية الفرنسية ومن لا يستحقها؟ كل هذه
التصرفات تؤدي إلى نفس النتيجة، وهي أنها تغذي العنف والكراهية. هذا ما حدث في
إيطاليا وفرنسا ومصر… وهذا ما يحدث في الجزائر كذلك…

خيال مصري وأحلام جزائرية

عابد شارف

دون تشاور ودون تنسيق، اتخذت كل من ا لجزائر ومصر نفس القرار منذ مدة طويلة، قرار يقضي أن يبتعد كل منهما عن الواقع، ليعيشا في الخيال، في عالم لا توجد فيه مشاكل سياسية ولا اقتصادية ولا اجتماعية. وأدى هذا الخيار إلى استفحال مرض في البلدين، بلغ ذروته نهاية الشهر الماضي، مع اندلاع حرب كلامية وحيدة من نوعها على إثر مقابلة في كرة القدم. ويتمثل هذا الوباء في مرض الخرطوم، ذلك الوباء الذي يؤدي بصاحبه إلى اختلاق أحداث خيالية، والترويج لها، إلى أن يقتنع بها، ويجعل منها قضايا وطنية.

وقد ظهر ذلك من خلال ما جرى حول مقابلة في كرة القدم في إطار تصفيات كأس العالم. أما عن الجانب المصري، فإننا قد شاهدنا أناسا لا هم مرضى ولا مجانين، تبدو عليهم العافية، ويظهرون أنهم بالغين عاقلين، سمعناهم وشاهدناهم يتكلمون يوميا على شاشات التلفزيون، ليقولوا أن أنصار الفريق المصري راحوا ضحية كمين في الخرطوم. وبالغ القوم في الكلام، وأكدوا أن المصريين المساكين ذهبوا إلى الخرطوم ليحضروا مباراة في كرة القدم، فوجدوا أنفسهم في مواجهة مع قوم غوغاء، لا دين ولا ملة لهم، يحملون الأسلحة البيضاء والسيوف، وكان هؤلاء الهمجيون يجولون شوارع الخرطوم، يبحثون عن مصري يقتلونه أو يعذبونه أو يجعلون منه كبش فداء ليعبروا عن حقدهم وكراهيتهم لكل ما هو متقدم ومتحضر، خاصة إن كان مصريا.

وكنا نعتقد أن هؤلاء الخطباء المصريين صحافيون، أو منشطون، أو حتى مهرجون، وهذا مقبول في التلفزيون. لكن اتضح أنهم ابتعدوا عن هذه المهنة وتلك، ليتحولوا إلى بائعي الكراهية والحقد، يطلبون من الرئيس حسني مبارك ومن أبنائه الأعزاء، ومن المؤسسات المصرية، يعني الجيش والمخابرات، يطلبون من كل هؤلاء التحرك على جناح السرعة لإنقاذ المناصرين المصريين المسالمين الذين سقطوا ضحية الهمج الجزائري… واستطاع القوم أن يصنعوا لأنفسهم فيلما عظيما، وكان السيناريو ناجحا إلى درجة أن جزء من الذين شاركوا في التمثيل صدقوا القصة وتعاملوا معها على أساس أنها حقيقة…

وجاء القوم بالبراهين القاطعة… إن لم تصدقونا، فانظروا هذه الفيديو لشاب جزائري يهدد ويعطي وعودا أنه سيسافر إلى الخرطوم حاملا مسدسا وخناجر، وأنه سيقتل عشرين مصريا على الأقل للثأر. أنظروا هؤلاء المناصرين الجزائريين الذي يحطمون مدينة إثر انهزام فريقهم. ألم يحدث هذا في وهران والجزائر وغيرها من المدن الجزائرية؟

ولم تقتصر عدوى مرض الخرطوم على الجانب المصري، بل أصابت الجزائر كذلك. وقد عاشت الجزائر بعد مقابلة الخرطوم جوا مماثلا، وأصيب الشارع الجزائري بدوره بداء الخرطوم، ذلك المرض الذي ينزع من صاحبه كل قدرة على التفكير والتعقل. وتحول فوز في مقابلة رياضية إلى انتصار عظيم على العالم بأكمله. واخترع الشارع الجزائري قصصا غريبة تمجد بطولة أنصار الفريق الوطني، وأصبح كل جزائري يروي المواجهة البطولية التي خاضها هذا المناصر أو ذاك، وكيف استطاع كل جزائري سافر إلى الخرطوم أن يهين المصريين، ويتحداهم ليل نهار في شوارع العاصمة السودانية، وكيف اتضح أن المصريين جبناء لا يتجرأ أحد منهم إلى مبارزة الجزائري الفذ…

وسمعنا هذه القصة عشرات المرات. وسألنا الأنصار والصحافيين الذي انتقلوا إلى الخرطوم، فلم نجد أي شاهد يؤكد أنه عاش أو رأى مثل هذه الأحداث. وبعد أيم طويلة، اعترف البعض ممن سافر إلى الخرطوم أن كل ما قيل "فستي" وكذب في كذب، لسبب بسيط، وهو أن السلطات السودانية نظمت الأمور بطريقة لا تسمح للأنصار الجزائريين والمصريين أن يلتقوا في أي مكان باستثناء الملعب…

وحتى تكون الصورة واضحة، بجب أن نذكر أن "وباء الخرطوم" أصاب البلدين منذ مدة طويلة، لا منذ الشهر الماضي فقط. ولما أصاب المرض مصر، دفعها إلى العيش في عالم خيالي، مما يوضح لنا لماذا مازال المصريون يظنون أن بلدهم يمثل قوة كبرى في المنطقة بل في العالم، وأن رئيسهم يبلغ حجم فرعون، وأن الشمس والقمر لا يسبحان إلا ليكشفا جمال مصر وعظمة أهلها. وبنفس الطريقة أصيبت الجزائر بداء دفعهم إلى العيش في الخيال، حيث مازال وزراؤها يقولون أنهم بنوا مليون سكن، وأنهم وضعوا مخططا سيجلب عشرين مليون سائح سنويا. وغرقوا في الخيال فآمنوا أن الأرندي حزب، وأنه تنظيم ديمقراطي، واعتقدت السيدة لويزة حنون أنه أفضل حزب يمكن التصويت لصالحه، واعتقد السيد بلخادم أنه وريث مصطفى بن بولعيد، واقتنع السيد أحمد أويحيى أنه عبقري في الاستراتيجية والاقتصاد والدبلوماسية والخطابة… والواضح أن وباء الخرطوم هو الذي دفع قادة البلدين إلى اللجوء إلى الخيال، لأن الواقع أصبح خارج متناولهم بصفة نهائية.

طوني وجورج، زعماء ورموز الحضارة

أشعلوا نار الفتنة، وجاؤوا بالحطب، وصبوا الزيت، وقالوا أنعم يتصرفون باسم الحضارة…

عابد شارف

ثلاث أحداث مختلفة، في ثلاث بلدان أوربية مختلفة، تزامنت في الأسابيع الماضية وكأنها تنبع من إرادة واحدة، يريد أصحابها أن يؤكدوا أن حرب الحضارات التي تنبأ بها المفكر الأمريكي صامويل هنتجتون Samuel Huntington أصبحت واقعا.

ونذكر أن المفكر الأمريكي أطلق نظريته المشهورة منتصف التسعينات، بعد سقوط جدار برلين. وقال صامويل هنتنجتون أن الصراعات القديمة بين الشرق والغرب انتهت، وأن المواجهة بين الفقراء والأغنياء لن تفرض نفسها في المستقبل كصراع أساسي في العلاقات الدولية. لكن المفكر الأمريكي يضيف أن ذلك لا يعني أن العالم سيعرف السلم، حيث ستتواصل المواجهة بين الحضارات التي تقتسم العالم. وجاءت نظرية السيد هنتجتون وكأنها رد على نظيره فرانسيس فوكوياما Francis Fukuyama، الذي أصدر نظرية "نهاية التاريخ"، الذي قال أن سقوط جدار برلين وانتصار الليبرالية والنظام الرأسمالي يضع حدا للصراعات الكبرى التي عاشتها الإنسانية.

وفي نهاية حياته، تراجع المفكر الأمريكي صامويل هنتجتون، وابتعد نوعا ما عن نظريته حول صراع الحضارات. لكن ذلك لم ينفعه، لأن نظريته وانتشرت، وأصبحت مرجعا أساسيا للمحافظين الجدد les néoconservateurs، الذين بنوا السياسة الخارجية الأمريكية على هذه المبادئ العدائية خلال حكم الرئيس السابق جورج بوش، وكان أبرز أعضاء إدارته يعتبرونها كتابا منزلا، وعلى رأسهم نائب الرئيس ديك شيني ووزير الدفاع دونالد رامسفالد.

ومع ممر السنين، تغيرت نظرية صراع الحضارات، ونسي الكثير أن هناك حضارات أخرى تكلم عنها صامويل هنتجتون، مثل الحضارة الهندية واليابانية مثلا. وحتى الحضارة الصينية، فإنها غابت عن الأذهان رغم أن الصين أصبحت ثاني قوة اقتصادية في العالم، وأن تسيير الاقتصاد العامي تحول إلى نزاع أو حوار بين الصين والولايات المتحدة. ولم يبق من نظرية صراع الحضارات إلا مواجهة بين حضارتين، أولها الحضارة الغربية، التي تطمح أن تصبح حضارة الإنسانية كلها، لأنها تدعي أنها تتبنى أحسن ما صنعت البشرية من أفكار، مثل الحرية والعدالة وغيرها. والحضارة الثانية، وهي الحضارة الإسلامية، التي تشكل تهديدا للحضارة الغربية، لأنها لا تتطابق مع الأفكار "العالمية" مثل الحرية واللائيكية والعصرنة.

ويستند أصحاب هذا الفكر إلى بعض الحقائق الميدانية، مثل الإشارة إلى أن أغلبية النزاعات المسلحة الحالية تدور في العالم الإسلامي أو أنها متعلقة بالإسلام، والإشارة إلى أن حرية الديانات تبقى ضعيفة في البلدان الإسلامية، وأن الحريات بصفة عامة تبقى منعدمة. هذا إلى جانب الملاحظة الأساسية وهي أن الأنظمة السياسية في البلدان الإسلامية لا تحترم التعددية ولا رأي المواطن وحقوقه.

وقد اجتهد باحثون وأهل السياسة للرد على هذه الاتهامات، وجاءت حجتهم متنوعة وقوية. نذكر منها مثلا أن تأخر العالم الإسلامي ينتج بصفة أساسية من تصرف الحضارة الغربية في القرون الماضية، من استعمار وعدوان، والتذكير أن تصرف البلدان الغربية اليوم مازال يدفع المسلم إلى اتخاذ مواقف متطرفة. ونذكر كذلك مساندة الغرب للأنظمة العربية المتسلطة التي تمنع التقدم. كل هذا مع الإشارة إلى أن الحضارة الغربية نفسها ارتكبت ما يكفي من الجرائم، حيث تسببت في حربين عالميتين وكانت حضارة الاستعمار ومازالت إلى اليوم تغض البصر عن الجريمة المتواصلة ضد الشعب الفلسطيني منذ نصف قرن.

رغم هذا، فإن أنصار الصراع بين الحضارات لم يستسلموا. ورغم أن خطابهم الرسمي يدعو إلى التعايش السلمي والحوار بين الديانات، فإن تصرفهم اليومي يوحي إلى أنهم وضعوا ميكانيزمات مستقلة تغذي فكرة الصراع بطريقة آلية. وتصدر كل يوم تصريحات أو مبادرات أو كتابات تغذي العداوة.

ونعود هنا لنتكلم عن الأحداث الثلاث التي ذكرناها في البداية، والتي تظهر وكأنها أعمال يراد منها تغذية حرب الحضارات. الحدث الأول وقع في فرنسا، حيث قامت السلطة الفرنسية بتنظيم ما تسميه بالنقاش حول الهوية الوطنية. ومعروف أن هذا الموضوع يؤدي حتما إلى تعزيز اليمين المتطرف المعادي للأجانب، كما يؤدي حتما إلى الكلام عن الإسلام والمسلمين ومكانتهم في المجتمع الفرنسي، مما يؤدي إلى توسيع الفارق بين المسلمين وغير المسلمين في فرنسا.

أما الحدث الثاني فقد وقع في سويسرا، حيث تم تنظيم استفتاء لا معنى ولا فائدة منه حول منع المنابر. وجاءت النتيجة لتؤكد عداوة أغلبية المجتمع السويسري لأحد رموز الإسلام، دون أن يستفيد أحد من هذا الاستفتاء.

أما الحدث الثالث، فإنه يتعلق برئيس الوزراء البريطاني الأسبق طوني بلار، الذي قال صراحة أن غزو العراق كان مخططا سواء كان هذا البلد يملك أسلحة الدمار الشامل أم لا. ويعني ذلك أن أحد أقطاب الحضارة الغربية قرر أن يحطم بلدا آخر مهما كان الثمن، وأنه لا يعترف بالقانون الدولي، وأنه لا يبالي بما يريده سكان البلد الضحية.

هذه الأحداث تشكل جزء من السلسلة الجهنمية التي تغذي العداوة بين الحضارة الغربية والحضارة الإسلامية. ومن الممكن أن تتردد نفس الأحداث مع إيران، لأن لحية الرئيس محمود أحمدي نجاد لا تعجب نيكولا صاركوزي. وإذا تم الاعتداء على إيران، وردت إيران بالأسلحة التي تملكها، سيقال أن إيران بلد إرهابي وغير متحضر… ولا يمكن أن نواجه مثل هذا الاتهام لأنه ينبع عن الحضارة الغربية، أولى الحضارات وسيدتها… أما طوني بلار الذي يكذب كما كان يكذب صديقه جورج بوش، فإنه رجل عصري متحضر…