قصة حب تحرق المدينة

عابد شارف

 

فيصل شاب جزائري عادي جدا. إنه لم يكن يمارس السياسية ولم يكن نجما لكرة القدم. كان فيصل يشتغل كحداد في البلدة التي يسكنها، زرالدة، غرب العاصمة، بلدة معروفة بفضل شواطئها الجميلة وفنادقها العديدة. لكن فيصل يعيش بعيدا عن البحر، حيث كان يقطن في منزل تقليدي مع عائلته رغم أنه تجاوز الثلاثين. وكان فيصل يقضي وفته بين العمل والأحلام، وأكبر حلم له هو الزواج من فتاة يحبها، فتاة تسكن نفس البلدة، سبق له أن غازلها فأجابته، وخطبها من أبويها فقبلته. ثم جاءت المأساة…

في ليلة السبت 4 إلى الأحد 5 مارس، على الساعة الثالثة صباحا، توجه فيصل إلى مقر الشرطة في زرالدة. وكان يحمل معه "شاقور" مخبأ تحت ثيابه. وفور دخوله مقر الشرطة، توجه إلى أحد رجال الأمن القائم بالمداومة، فضربه ضربتين أدت إلى جروح خطيرة في ذراعيه، لأن الشرطي الذي فوجئ حاول أن يدافع عن نفسه بيديه ولم يتمكن من استعمال سلاحه. وقدم شرطي آخر فتلقى بدوره ضربة أصابته في الكتف، فتراجع إلى الوراء. وعاد فيصل بشاقوره ليضرب الشرطي الأول، وعندها، قدم شرطي ثالث واستعمل مسدسه ليطلق النار على فيصل أربع أو خمس مرات، فسقط فيصل قتيلا…

وكانت قصة حب سبب هذه المأساة. فكان فيصل ينوي الزواج من خطيبته، لكنه لاحظ قبل أشهر أنها ليست متحمسة للزواج منه، ثم قالت أنها تريد إعادة النظر في علاقتهما. وسمع فيصل كلاما عن علاقة تكون قد أقيمت بين حبيبته وأحد رجال الشرطة العاملين في زرالدة. ويقول أصدقاؤه أن الشرطي احتقره بطريقة أو أخرى، فقام ذات ليلة على الساعة الثالثة إلا الربع، وقال لأمه التي سألته عن سبب هذا الخروج المبكر أنه ذاهب إلى المسجد ليصلي صلاة الفجر، لكن توجه إلى مقر الشرطة الموجود على بعد 300 متر لبثأر من الشرطي الذي أهانه، فكانت الفاجعة.

وانتشر خبر وفاة فيصل في المدينة صباح يوم الأحد. وقال أصدقاؤه أن رجال الشرطة اغتالوه احتقارا له، لأنه رجل بسيط، ليست له سوابق عدلية، ويعرف في المدينة أنه "ناس ملاح" أي أنه يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر. وتجمع الشباب في مدينة زرالدة طيلة الصبيحة، وشكلوا مجموعات ليتحسروا على ما وقع. وبعد الظهر، كانت أعدادهم هائلة في شوارع المدينة، وكان التوتر واضحا في شوارع البلدة الهادئة عاديا.

ولا يستطيع أحد أن يقول كيف بدأت المواجهة، ومن رمى الحجرة الأولى. لكن بسرعة فائقة تحول الشارع المؤدي إلى مقر الأمن ساحة معركة بين شباب من المدينة وقوات الأمن، حسب سيناريو معتاد تعلم الجزائريون أن يعيشوا به منذ أحداث أكتوبر 1988، لما اندلعت مسيرات احتجاجية كبرى زعزعت النظام القائم آنذاك ودفعت السلطة إلى إقامة التعددية الحزبية. وتعلم الشباب أن يحتجوا بعنف بطريقة تشبه تلك التي يستعملها في الفلسطينيون أثناء الانتفاضة.

ومرت البلاد بعد أكتوبر 1988 بمرحلة ديمقراطية لا مثيل لها، مع بروز أحزاب وجمعيات وصحافة حرة. وتركت هذه المرحلة أثرا كبيرا في السلوك السياسي والاجتماعي للجزائريين، قبل أن تدخل الجزائر "عشرية حمراء" على إثر إيقاف الانتخابات في جانفي 1992 وتمرد الإسلاميين. وخلفت الحرب الداخلية ما يقارب 200 ألف قتيل، قبل أن تشرع السلطة والمجموعات المسلحة في مفاوضات أدت إلى العفو عن المتمردين شريطة أن يتخلوا عن السلاح ويغادروا الساحة السياسية. وتم تنظيم استفتاء في سبتمبر الماضي للموافقة على هذا المشروع الذي تبناه الرئيس عبد العزيز بوتفليقة، وتم إصدار القوانين الضرورية لتطبيقه هذا الأسبوع.

لكن سكان زرالدة لم يخرجوا إلى الشارع ليساندوا مشروع الرئيس بوتفليقة أو يعارضوه، إنما خرجوا إلى الشارع للاحتجاج ضد ما يسمونه "الحقرة"، وما يعتبرونه احتقارا للمواطن البسيط من طرف السلطة بمختلف مكوناتها، سواء كانت إدارة أو قوات أمن أو جيش. وبطبيعة الحال فإن السلطة لا تعتبر هذه الظاهرة التي انتشرت كعملية احتجاج، وتصفها أنها "أعمال شغب".

وفعلا، قام المحتجون في زرالدة بحرق مقر إحدى البنوك العمومية. وأثناء الهجوم على هذا المقر، حاول أحد العاملين بالبنك أن يخرج، فحاصره المتظاهرون، فخرج من النافذة من الطابق الأول، وأصيب بكسور في رجله اضطر بعدها إلى تلقي عملية جراحية تركته معاقا نسبيا لباقي حياته. وأغلبية المحتجين يعرفون هذا الموظف في البنك، لأنه هو الآخر الصديق والجار. لكن ذنبه أنه كان في مكان اختار المتظاهرون أن يهاجموه لأنه أقرب المباني العمومية من مركز الشرطة. وتحولت شوارع المدينة إلى ساحة معركة خلال دقائق قليلة، وأقيمت المتارس، وأحرقت العجلات المطاطية في الشوارع، وبرز زعماء جدد لقيادة الاحتجاج، أعظمهم شباب عاطل وجد فرصة لتصفية حسابات مع سلطة أو ممثلي سلطة يعتبرهم سبب المأزق الذي يعيشه هؤلاء الشباب.

ويبقى الخبراء في علم النفس وعلم الاجتماع محتارين أمام هذه الظاهرة التي انتشرت في الجزائر إلى درجة أنها أصبحت تشكل الطريقة الوحيدة للاحتجاج. ويقول أحد متتبعي هذه الظاهرة أن هناك "عنف موجود بكثافة في المجتمع، يجد فرصة لاستعماله في مثل هذه الظروف". ويضيف أن "الحرمان لا يجد أحزابا وجمعيات ذات مصداقية لتأطيره، فينفجر بطريقة عشوائية".

ويقول أحد أبرز علماء الاجتماع في الجزائر أن "السلطة الجزائرية قد دمرت كل المؤسسات التي يمكن أن تحتوي غضب الشارع وتستعمله بطريقة سلمية، ولم يبق أمام المواطن إلا العنف ليؤكد أنه موجود". ويضيف أن "تجارب السنين الماضية أكدت لهؤلاء الشباب أن طريقة الاحتجاج هذه انتحارية، ولا يمكن أن تؤدي إلى نتيجة، لكنهم لم يجدوا أحسن منها ولا بديلا لها". ويبقى احتيار كل الأطراف متعلقا بموقف السلطة، التي تعرف جيدا أن المجتمع قد أصبح خاليا من كل الهياكل التي يمكن أن تلعب دور الملجأ أو الحكم (بنصب الحاء والكاف)، لكنها لا تقوم بأية مبادرة لتغيير الوضع، مما يجعل أعمال العنف هذه إلى أول وسيلة احتجاج في البلاد كثيرا ما تؤدي إلى سقوط ضحايا. ففي يوم 7 مارس، أشارت إحدى الجرائد إلى مظاهرات مماثلة في أربع مدن مختلفة، في مدينة خميس الخشنة، قرب العاصمة، وفي مدينة القل، بشرق البلاد، وفي الوادي، بالشمال الشرقي للصحراء، وأخيرا في برج منايل، بمنطقة القبائل.

ورغم اختلاف الأسباب التي تؤدي إلى عمليات الاحتجاج، فإنه شكلها معروف، مع المواجهات وحرق الباني العمومية وجرح أو قتل عدد من المواطنين أو أعضاء مصالح الأمن. وهي "لا تعبر عن مطلب ما في أغلب الأحيان، إنما تعبر عن وضع بسيكولوجي جماعي متأزم، لأن أغلبية الناس يحسون أنهم في مأزق". ولاحظ وزير أول سابق مثلا أن "الكل يشكو في الجزائر، فالغني يشكو لأنه ليس مطمئنا والوزير يشكو لأنه لا يعرف ماذا سيحدث غدا. فكيف يكون وضع المواطن البسيط في مثل هذه الحالة؟".

وما يزيد قلق الجزائريين هو ذلك الشعور أن الطرق القانونية والسلمية لا توفر له مخرجا، مما يدفعه إلى تصرف شبه انتحاري بتهديم المنشآت التي أقيمت لفائدته مثل المدارس ومقر البلديات وغيرها. ويقول مختص في علم النفس أن "الاحتجاج العنيف بهذه الطريقة يمكن أن نعتبره محاولة انتحار جماعية، لأن المواطن يدفع ثمنه غاليا، سواء لما يتم إلقاء القبض عليه وإيداعه السجن، أو لما يدمر الهياكل التي تخدمه، أو لما يموت في المواجهات مثلما حدث ذلك في عدد من المدن". ويفرق هذا المثقف الجزائري بين "العملية السياسية التي يتم تنظيمها بهدف واضح وطبق طرق معروفة من جهة، وبين العمليات العشوائية التي يخسر فيها كل الأطراف".

لكن الكل يجمع على أن هذا الوضع جاء سببا لغياب كل الهياكل التقليدية لتنظيم المجتمع. ويلخص أحد السياسيين الوضع في هذه الصورة الكاريكاتورية، حيث يقول أن المواطن يتوجه مرة أولى إلى البلدية أو القاضي أو الوالي فلا يجد من يصغي إليه، ثم يقطع الطريق أو يحرق مقر البلدية فتقبل السلطة أن تتفاوض معه. وحتى إن رفضت فإنه أثبت وجوده، حتى لو أدى به ذلك إلى الانتحار".

ومن جهة أخرى، فإن ظاهرة الانتحار بدورها انتشرت بصفة رهيبة في الجزائر، خاصة عند الشباب. ورغم غياب إحصائيات دقيقة، يقول أحد الأطباء النفسانيين أن "الوضع النفسي السائد في المجتمع الجزائري بصفة عامة يشجع انتشار الظاهرة". ويضيف أن "الطب يعجز أمام وضع كهذا، لأن المطلوب هو القضاء على هذا الشعور العام بالفشل قبل التكفل بالأشخاص".

ولا نعرف هل أن فيصل، الذي توفي ليلة السبت إلى الأحد في زرالدة، كان على علم بكل هذه التحاليل. لكن يكفيه أنه مات ليدافع عن صورة كان يحملها عن حبيبته، فسقط ضحية للحب، وأحرقت المدينة بعده، للثأر له. فكان من أنصار روميو Roméo، وترك دور نيرون Néron لأهل السلطة وأولئك الذين فضلوا بقاءهم في السلطة حتى ولو أدى ذلك إلى انتحار الشباب، أي انتحار الحياة.

أزمة مياه حادة في إفريقيا بسبب ضعف الاستثمار وسوء التسيير

 

إفريقيا تموت عطشا 

عابد شارف

 

وجهت الجمعية الإفريقية للمياه نداء إلى مواصلة الإصلاحات في ميدان تسيير الماء، لكنها رفضت اختيار صيغة محددة حيث اعتبرت أن وضع كل بلد وكل مجتمع يختلف ويتطلب قرارات تتلاءم مع المجتمع المذكور. ورغم ضغوط الشركات العالمية التي تحتكر الميدان، خاصة منها الفرنسية الموجودة بقوة في إفريقيا، فإن الجمعية التي عقدت مؤتمرها الثالث عشر في منتصف فيفري في الجزائر رفضت أن تتبنى خصخصة توزيع المياه كحل أساسي للأزمة، واختارت أن تترك لكل طرف حرية التصرف بما يلاءم واقعه الاجتماعي.

وتبقى إفريقيا القارة الأكثر تضررا من عدو توفر المياه لصالح المواطنين، حيث يبقى ثلث سكان القارة أي 300 مليون نسمة محرومون من هذه المادة الحيوية. ويعتبر أحد الخبراء أن الأمراض الناتجة بصفة مباشرة عن هذه الوضعية تؤدي إلى وفاة أكثر من نضف مليون شخص سنويا. إضافة إلى ذلك، فإن انعدام النظافة الناتج عن ندرة المياه يفتح المجال إلى انتشار أمراض أخرى عند المصابين بالإيدس Sida، مما يجعل من تزامن الإيدس وانعدام النظافة أول متسبب للوفيات في إفريقيا.

وعكس ما هو شائع، فإن ندرة المياه لا تمس إلا عددا قليلا من البلدان في المنطقة الشمالية والصحراوية من القارة، بينما يوجد فائض في الكثير من المناطق كما توجد منابع مستغلة إلى درجة مختلفة مثل أنهار الكونغو والنيل والنيجر إلى جانب بحيرات كبرى في إفريقيا الوسطى. أما المشكل الحقيقي فإنه يتمثل في عجز القارة عن استغلال مواردها المائية حيث لا تتجاوز نسبة المياه المستغلة أربعة بالمائة من الكميات المتوفرة. وإذا كانت بعض البلدان في شمال إفريقيا قد شرعت في إنجاز مشاريع كبرى لتدارك الوضع، مثل ليبيا والجزائر، فإن ندرة التمويل وانعدام التكنولوجيا وضعف التأطير يمنع أكثر الدول الإفريقية من الأمل في الوصول إلى وضع لائق في آجال قريبة أو متوسطة.

وقد حاولت مؤسسات متعددة أن تفكر في وضع خطة تسمح لإفريقيا أن تتقدم في مجال توزيع المياه، منها الأمم المتحدة التي حددت "عشرية" للمياه، والبنك الإفريقي للتنمية الذي يشارك في تمويل العديد من المشاريع، والمجموعة الأوربية التي تبقى أكبر المانحين. لكن المنظمة الإفريقية للمياه تعتبر أنه يجب استثمار 20 مليار دولار سنويا خلال الخمسة وعشرين سنة القادمة لتتمكن إفريقيا من تدارك تأخرها والوصول إلى وضع مقبول، وهو رقم من الصعب الوصول إليه حسب المعطيات الحالية.

ولا حظ البيان الختامي لمؤتمر الجمعية الإفريقية للمياه أن الإصلاحات التي تم تطبيقها لحد الآن في العديد من البلدان الإفريقية لم تأخذ بعين الاعتبار بصفة كافية أصحاب الدخل الضعيف في المدن، بينما تجاهلت بصفة شبه كاملة سكان الريف. وقال الأمين العام للمنظمة السيد سيلفان أوشار Sylvain Usher (كوت ديفوار) في تقرير أعده للمؤتمر أنه لا يمكن أن نعتبر أية طريقة للتسيير كطريقة نموذجية يجب أن تتبناها المنظمة، وأضاف أن الحل النهائي يرتبط بالمحيط الذي يتم فيه تطبيق الإصلاح من جهة، وبالإرادة السياسية عند أصحاب المشروع من جهة أخرى. ورغم ذلك، أضاف أن "الإصلاح يبقى ضروريا" لكنه يجب أن يتم وفقا لبرنامج يسمح لكل الأطراف أن تستفيد من المشروع. ودعا كذلك إلى تحديد "أهداف واقعية ومعقولة" منذ البداية.

ورغم الحذر الذي يظهر في كلام السيد سيلفان أوشار، إلا أنه يشير إلى الصفقات التي تم إبرامها من طرف عدد من البلدان الإفريقية للتكفل بتسيير المياه والتي انتهت دون أن تضمن تحسنا رغم أن الشركات الغربية الكبرى التي تكفلت بالمشروع قد استفادت إلى درجة غير معقولة. فالشركات الغربية تقوم بدراسات لا تأخذ بعين الاعتبار المجتمع الإفريقي، وتحدد أهدافا تشبه تلك الموجودة في أوربا، لكنه لا يمكن تطبيقها ميدانيا، مما يؤدي إلى فشل المشروع مع ضياع الوقت والأموال.

وترددت كثيرا عبارة "حسن التسيير" خلال هذا المؤتمر، وهي طريقة محتشمة للكلام عن الرشوة والتبذير واستعمال الأموال في غير محلها، سواء عند إبرام الاتفاقات أو عند مراقبة تطبيقها، مما يسمح للشركات الغربية أن تحقق أرباحا رغم فشل المشاريع.

ويقول أجد الخبراء مثلا أن المدن الإفريقية لا تحترم الطرق العصرية للعمران، إلى جانب وجود أحياء قصديرية كبرى لا يمكن إيصال الماء إليها. لكن أثناء المفاوضات حول مشروع ما، كثيرا ما تتمكن الشركات الغربية أن تفرض وجهة نظرها على الطرف الإفريقي وتقنع المانحين أنها قادرة على تدارك الوضع. وفي آخر المطاف تحصل الشركة الغربية على أرباح كبرى بينما يزداد الوضع تدهورا في البلد الذكور.

ويعتبر هذا الخبير أنه من الضروري للبلدان الإفريقية أن تفكر في "تسيير متكامل" يسمح بتخفيض تكلفة المياه وحجم الاستثمار. ويقول مثلا أنه من الأفضل للبلدان الإفريقية أن تعتني بالعمران وتتحكم في نمو المدن خلال العشريات المقبلة، مما يسهل عملية التموين بالمياه. ويؤكد بصفة خاصة على هذه النقطة لأن إفريقيا ستحتوي سنة 2020 على 11 مدينة كبرى يفوق عدد سكانها خمسة ملايين نسمة، إلى جانب 720 مدينة يفوق عدد سكانها 100 ألف نسمة. وسيشكل آنذاك عدد السكان في المدن نصف سكان إفريقيا، ويصبح تزويدهم بالمياه مستحيلا إذا لم يتم التحكم في توسع المدن.

وفي الوضع الحالي، تبقى المناطق الريفية الأكثر حرمانا، لأسباب عديدة منها جانب سياسي يتجاهله معظم الحكام الأفارقة. فالمناطق الريفية تبقى عادة هي الأفقر، ولا تعتني بها السلطة السياسية إلا يوم الانتخابات إذا كانت هناك انتخابات. إلى جانب ذلك، فإن الفلاحين يبقون الفئة الأقل وجودا في الساحة السياسية، ولا تستطيع الضغط على أصحاب القرار. ويبلغ عدد سكان الريف في إفريقيا 60 بالمائة من المجموع، ويبلغ في الكثير منها سبعين بالمائة، ويعني ذلك حسب أحد الخبراء أن "سبعين بالمائة من السكان لا وجود لهم على الساحة السياسية".

ومما يزيد المشكل حدة الأزمات التي تعيشها العديد من البلدان الإفريقية. وطالب المؤتمر أن تتبنى كل الشركات المكلفة بتوزيع المياه بمخطط للقيام بمهمتها في ظروف استثنائية تشمل الأزمات السياسية والحروب وانهيار الإدارة والإفلاس الاقتصادي والجفاف وغيرها من العوامل التي تؤدي إلى انهيار في الخدمات. وبما أن إفريقيا تبقى القارة الأكثر تضررا من الأزمات، فإن عدد الضحايا بسبب انعدام الماء يتضاعف في القارة أثناء الحروب والكوارث مثلما أكد ذلك ارتفاع عدد الضحايا في الكونغو ورواندا وجنوب السودان. وقالت تقارير أغلبية المنظمات غير الحكومية أن  عدد ضحايا الحروب لا يتجاوز عشرة بالمائة خلال العمليات العسكرية، بينما يتم تسجيل العدد الأكبر من الضحايا بسبب تدمير الإدارة والخدمات في الفترة التي تلي الحرب مباشرة، ومن أهم هذه العوامل انعدام الماء والنظافة.

ولاحظ المؤتمر أن أصعب معادلة في الميدان في إفريقيا بالنسبة للماء تبقى تلك المتعلقة بالتكلفة. واعترف المؤتمر أن الشركات الموزعة للماء يجب أن تحصل على أرباح لكنها مضطرة إلى توفير المياه للفئات المحرومة التي لا تكسب الموارد المالية الضرورية لذلك. وباستثناء القليل من البلدان التي تعرف فائضا ماليا أو تتميز بمدخول معقول، مثل ليبيا والجزائر وأنغولا، فإن البلدان الأخرى عاجزة عن الاستثمار في ميدان الماء لأن هذا النوع من الاستثمار لا يعطي نتيجة إلا في الأمد البعيد من جهة، ولأن تلك البلدان مضطرة إلى التكفل بمشاكل مستعجلة من جهة أخرى.

ويقول السيد سغو لامبتي Sgo Lamptey، رئيس المنظمة الإفريقية للمياه، أن هناك عامل آخر يؤدي إلى تدهور الوضع وهو وجود قطاعات أخرى تضمن أرباحا أكبر من ميدان الماء. وعلى هامش المؤتمر، قال أحد المندوبين أن الهاتف النقال مثلا يشكل كارثة بالنسبة لإفريقيا لأنه استولى على قسط كبير من الاستثمار الخارجي بينما تبقى القطاعات الأولوية لا تجد الأموال الضرورية. وقال أن بعض الشركات الغربية ذات النفوذ فكرت في التخلي عن قطاع نشاكها التقليدي لتتحول إلى الهاتف النقال الذي يضمن أرباحا لا يمكن مقارنتها مع القطاعات الأخرى.

وقال خبير جزائري أن التعامل مع مشكل توفير المياه في إفريقيا يتطلب نظرة جديدة تختلف من منطقة إلى أخرى. ففي الجزائر مثلا، قال أن اللجوء إلى تحلية مياه البحر اختيار معقول بشرط أن تفكر البلاد في تطوير الطاقة النووية. ويقول أن الطاقة كانت تشكل نصف ثمن الماء قبل أربع سنوات، لكن مع ارتفاع أسعار البترول، ف، ثمن الطاقة سيبلغ ثمانين بالمائة، ويدفع الثمن الحقيق للماء إلى أسعار غير معقولة. ولذلك يجب التحكم في الطاقة النووية لأنها تضمن سعرا منخفضا للماء المستخرج من البحر. وأضاف بسخرية أنه سعر الماء سيصبح أعلى من سعر البترول إذا بقيت البلدان التي اختارت تحلية مياه البحر تستعمل الطاقة المولدة من النفط. أما في جنوب القارة ووسطها، فيجب الاستثمار في السدود بكثافة، لأنها توفر في نفس الوقت الطاقة الكهربائية والمياه التي يمكن توزيعها.

لكن هذا الخبير أبدى تشاؤمه حيث قال أن "هذه الخيارات الكبرى من الممكن أن تسمح للبلدان الإفريقية أن تتقدم، لكنها لا تضمن بقاء الأنظمة". وهو ما يطرح في نظره المشكل السياسي الذي يبقى في نظره "أول مشكل يجب التطرق إليه، فبدون حل المشكل السياسي، تبقى العديد من المشاكل الأخرى، منها توفير الماء للمواطنين، شبه أبدية".

ع.ش

الجزائر تغرق في الأموال والفضائح المالية

عابد شارف

غرقت الجزائر في الأموال التي تتدفق عليها بفضل ارتفاع أسعار النفط، لكنها غرقت في نفس الوقت في الفضائح المالية التي بلغت حجما لا مثيل له بسبب انتشار الرشوة وسوء التسيير وانعدام هياكل الرقابة.
فبينما صرح وزير المالية نورالدين مدلسي هذا الأسبوع أن مخزون الجزائر من العملة الصعبة قد بلغ 55 مليار دولار، أعلنت مصالح الأمن الاثنين الماضي أن 19 شخصا قد قدموا للعدالة في إطار التحقيق المتعلق بآخر فضيحة مالية، تتمثل في الاستيلاء على 12 مليار دينار –ما يعادل 120 مليون أورو- من وكالة بنكية تابعة للبنك الجزائري للتنمية الفلاحية الموجودة في بئر خادم في الجزائر العاصمة.
وتم تحويل هذه الأموال على شكل قروض لشركات وهمية، واستعمل جزء منها لأغراض لا علاقة لها مع النشاطات المعلنة رسميا، في حين تبخر الجزء الآخر بين مستفيدين وعملائهم داخل البنك. ومن الطرق المستعملة كذلك لتحويل الأموال اللجوء إلى سجلات تجارية لأشخاص عاجزين طعنوا في السن من أجل الحصول على قروض وهمية باسمهم، ثم الاستيلاء على هذه الأموال، تاركين البنك يتخبط مع أشخاص ليسوا على علم بما حصل.
ودائما في البنك الجزائري للتنمية الفلاحية، أعلن منذ شهرين عن اكتشاف فضيحة أخرى تمثلت في منح قروض تبلغ 15 مليار دينار -150 مليون أورو- لصالح شركة خاصة معروفة في الجزائر وهي -طونيك- التي عجزت عن تسديد ديونها. وكانت التهمة آنذاك أن الشركة المعنية حصلت على قروض دون ضمان، ولم تسدد ديونها الأولى، لكنها تمكنت من الحصول على قروض جديدة من نفس البنك.
أما البنك الوطني الجزائري فإنه ضيع 15 مليار دينار -150 مليون أورو- في عملية مماثلة حيث منح قروضا دون أي مقابل، مما يشير إلى تواطؤ عمال البنك مع المستفيدين ليقتسموا الغنيمة. وقالت جرائد أخرى أن الأموال التي ضاعت تبلغ 30 مليار دينار – 300 مليون أورو-. وقد ذكرت مبالغ خيالية في معاملات أخرى، واعترفت مصالح الأمن التي تقوم بالتحقيق أنها لم تنشر إلا القضايا التي تأكدت من المبالغ التي ضاعت خلالها. وقال محافظ شرطة مكلف بالتحقيق في العاصمة السيد صالح دراجي أن هناك قضية أخرى سيتم الإعلان عنها في الأيام القادمة.
وشملت الفضائح عددا من البنوك الأخرى لا يمكن حصرها، أهمها بنك التنمية المحلية الذي لم يتمكن المحققون لحد الآن حصر الأموال التي ضاعت منه، وبنك BCIA الذي قررت السلطات وضع حد لعمله.
وقال السيد محمد لقصاصي، محافظ البنك المركزي الجزائري، أمام البرلمان الجزائري في 14 نوفمبر الماضي أن تسعة بنوك وضعت تحت الرقابة للتحقيق في عمليات التجارة الخارجة وتحويل الأموال إلى الخارج، بينما قامت مفتشية البنك المركزي بتحقيقات في تسيير ستة بنوك. واعترف أن الأخطاء كثيرة جدا لأن معظم البنوك لا تحترم القواعد المصرفية كما أنها تمنح قروضا بمبالغ تتجاوز بكثير قدرتها الحقيقية.
وتبقى أكبر فضيحة تلك التي تتعلق ببنك الخليفة الذي شكل شبه زلزال في الأوساط المالية. وتقول أحسن المصادر أن فضيحة بنك الخليفة كلفت الجزائر 2.5 مليار دولار بالعملة الصعبة تم تحويلها إلى الخارج، ومبالغ بالدينار لم يتمكن المحققون إحصاءها لأنها فاقت كل ما كان منتظرا.
وقال النائب في البرلمان حسن عريبي أنه تم تحويل 12 مليار دولار إلى الخارج بصفة غير شرعية بين سنة 1994 وسنة 2000، كما تم تحويل ما يقابل سبعة مليار دولار من البنوك إلى الخواص في السوق الجزائرية بصفة غير شرعية في نفس الفترة. وأضاف أن أشخاصا ذوي نفوذ قاموا بفضل تواطؤ إطارات في البنك وفي إدارة المالية من تحويل 1.5 مليار دولار من البنك الوطني الجزائري ومليار دولار من بنك التنمية المحلية.
وجاءت هذه الفضائح كنتيجة لسلسة من العوامل تراكمت منذ سنوات، منها ضعف البنوك الجزائرية، وانعدام الرقابة، وتواطؤ شبكات كاملة داخل البنك وخارجه، إلى جانب الوضع السياسي الذي لا يسمح للبنوك مثل المؤسسات الأخرى أن تعمل حسب القواعد القانونية المسطرة رسميا. ومن الأفكار السائدة مثلا في الجزائر أن القروض لا تمنح للشركات الخاصة نظرا للضمانات التي يتم تقديمها أو نظرا لنجاعة المشروع، إنما القروض تأتي بفضل تدخل مسئول كبير أو وزير أو ضابط في الجيش. وقد تشكلت ثروات هائلة بهذه الطريقة خلال العشرية الماضية تحت ظل الإرهاب وانحراف أجهزة الدولة عن القانون.
وقد تشكلت شبكات كاملة للقيام بعمليات السطو هذه كما كشفت ذلك قضية البنك الوطني الجزائري. فقد كشف التحقيق أن الأموال كانت تحول من ثلاث مقرات موجودة في بوزريعة، أحد أحياء العاصمة، والقليعة، التي تبعد 35 كيلومتر من الجزائر، وشرشال، على بعد 100 كيلومتر من العاصمة. ويتم تحويل هذه الأموال إلى شركات لتستعملها مبدئيا لاستيراد مواد من الخارج. بعدها يتم تحويل الأموال إلى شركات في الخارج يملكها نفس الأشخاص. وعندها يرحل كل أعضاء الشبكة إلى الخارج ويختفون بعد اقتسام الغنيمة. وعادة لا يتم القبض إلا على بعض الأشخاص الذين لم يرحلوا بعد إلى الخارج لأنهم يحضرون لعملية أخرى، أو بعض الموظفين الذين لا حول ولا قوة لهم لأنهم كانوا خارج شبكة التهريب ولم يكونوا على علم بالعملية رغم مناصبهم.
ولا تقتصر عمليات السطو هذه على البنوك العامة أو الخاصة، بل تشمل كل القطاعات رغم الاختلاف في الطريقة. وبصفة عامة، إذا تعلق الأمر بالبنوك الخاصة، يكون صاحب البنك نفسه مسئولا عن عملية التحويل سواء بسبب سوء التسيير أو لأنه يستفيد منها. أما بنوك القطاع العام، فإن التحويل يتم بتنظيم شبكة داخل البنك وخارجه على حساب أموال الشعب لأن الدولة هي التي تتكفل بإنقاذ البنك في آخر المطاف. ففي قضية بنك التنمية الفلاحية مثلا، قامت فرقة من البنك نفسه بحقيق داخلي السنة الماضية، وأعدت تقريرا لا يشير إلى أية عملية غير قانونية. ثم قامت مصالح الأمن بتحقيق مماثل فاكتشفت فضيحة كبرى، مع العلم أن إطارات البنك أكثر تأهيلا للتحقيق في مثل هذه الحالة، مما دفع إلى الشك في تواطؤ فرقة التحقيق نفسها.
ومع ظهور الفضائح الأولى، حاول وزير المالية الأسبق عبداللطيف بن اشنهو أن يضع حدا للنزيف فجعل المرض أخطر. واعتبر أن الفضائح تراكمت بسبب استقلالية البنك المركزي الجزائري الذي يتولى مراقبة البنوك، فأزال تلك الاستقلالية الرمزية ووضع البنك المركزي تحت سلطته مباشرة، مما جعل البنك المركزي يتخلى عن مهمة المراقبة، مع العلم أن الوزير لا يستطيع متابعة الملفات نفسه وعليه أن يكلف الإدارة بذلك. وقال أحد الخبراء الماليين أن هذا القرار يعني -أن تكلف الذئب برعاية الغنم لأن الإدارة هي أكبر وكر للرشوة في الجزائر-.
واعترف وزير المالية الحالي مراد مدلسي بتواطؤ إدارات البنوك في الفضائح في خطاب أمام مجلس الأمة في 22 نوفمبر الماضي. وقال أن –النظام الحالي للبنوك قد تجاوزه الدهر- وأضاف -أن البلاد بحاجة إلى وسائل أخرى لمراقبة الدوائر المالية-، كما قال أن الفضائح الحالية وقعت بسبب -تواطؤ داخل البنوك-. واستعمل عبارة واضحة حيث قال أن نظام البنوك –متعفن من الداخل-، وهو الوضع الذي دفع المنظمة العالمية انترناشيونال طرااسبرنسي – شفافة عالمية international transparency إلى تصنيف الجزائر في المرتبة 129 عالميا في ميدان الرشوة.
وازداد حجم هذه العمليات كذلك بسبب تهاطل الأموال على الجزائر في السنوات الأخيرة بفضل ارتفاع أسعار النفط مع انعدام مشروع لاستعمالها بصفة عقلانية. وقد بلغ مخزون الجزائر من العملة الصعبة 55 مليار دولار حسب آخر الأرقام التي صدرت من وزير المالية نورالدين مدلسي. ولما عجزت الحكومة عن دفع الاستثمار والنمو كما عجزت عن محاربة البطالة، اختارت أن تمنح تسهيلات كبرى لاستيراد مواد الاستهلاك، وخصصت لهذا الغرض ميزانيات متضاعفة من سنة لأخرى. وقد بلغت القروض الممنوحة للخواص 16 مليار دولار سنة 2004.
ورغم كل الفضائح ورغم الاعتراف بعجز النظام المالي الجزائري، تصرف وزير المالية الحالي مراد مدلسي بطريقة لا تختلف عن سابقيه، حيث قام بعزل مدراء أربعة من أكبر البنوك الجزائرية وأعلن عن ضرورة الإصلاح، دون أن يؤدي ذلك إلى تغيير يذكر ودون أن يقوم بإجراءات ميدانية. إضافة إلى ذلك، يبقى الخطاب في الجزائر سواء في الحكومة أو غيرها يتناقض مع الواقع، خاصة لما يكون الحديث موجها إلى الأجانب. فقد قال السيد عبدالرحمن بن خالفة، الأمين العام لجمعية البنوك والمؤسسات المالية في حديث لجريدة فرنسية أن النظام المالي الجزائري –آمن وذو مصداقية-… وأضاف: لقد طورنا طاقاتنا داخل البنوك-. واستعمل عبارات لا تختلف عن تلك التي تستعملها أكبر البنوك العالمية، لما يقول: نريد توسيع دائرة catalogue منتوجنا وتحسين المنتوج الحالي…
وقال أن الدفع الإلكتروني ينتشر حاليا بصفة مقبولة بفضل توزيع 200.000 بطاقة مالية carte bancaire . لكن الواقع يعكس ذلك كما تؤكده تجربة أحد المواطنين الذي أراد استعمال بطاقته البنكية في العاصمة فوجد كل الموزعين الأتوماتيكيين distributeur automatique في حالة عطب، واضطر إلى أن يزور إحدى عشر موزعا قبل أن يتمكن من سحب ما كان يحتاج إليه.
أما في باقي المدن، فمازال التعامل التقليدي مع الأموال سائدا. ومازال الجزائريون يستعملون –الشكارة- أي الأكياس لنقل أموالهم، واعترف بذلك وزير المالية نفسه لما قال أن هناك 10 مليار دولار تتداولها السوق خارج الأجهزة الرسمية.

La grippe aviaire, cette menace qui fait oublier le SIDA

La mondialisation et l’inégalité des rapports nord-sud ont tout déréglé. Même devant la peur, on n’est pas égaux.

 

Par Abed Charef

 

Une terrible menace plane sur le monde entier. Elle est là, qui nous guette à chaque coin de rue. On surveille tout, les élevages comme les oiseaux migrateurs, dont on suit avec inquiétude les longs voyages qui obéissent pourtant aux mêmes rituels depuis des milliers d’années. On n’arrive plus à admirer l’allure gracieuse ni le vol majestueux de tel migrateur. On pense plutôt qu’il faut l’abattre, peut-être l’empêcher de passer, car il transporte avec lui le virus d’une terrible maladie, la grippe aviaire, devenue la maladie à la mode du moment.

Y a-t-il pour autant un risque réel de pandémie de grippe aviaire ? Cette maladie est-elle réellement une menace pour l’humanité ? Nécessite-t-elle ce suivi, qui frôle le voyeurisme, de chaque cas qui se déclare dans le monde ? Au stade actuel, et au vu des informations disponibles, il est difficile de se prononcer. La menace est, peut-être, réelle. Peut-être seulement. Car rien ne prouve qu’elle est fondée. Le risque reste largement maîtrisé, et les cas signalés, quelques dizaines, essentiellement en Asie, ne permettent pas d’affirmer que la propagation de la maladie constitue une hypothèse plausible. Même si la Banque Mondiale a décidé de s’en mêler à son tour et de fournir trois milliards de dollars sur trois ans pour combattre la maladie.

Curieusement, l’OMS a elle-même participé à dramatiser la situation. C’est peut-être son rôle, mais dans les milieux spécialisés, on pointe du doigt les grandes firmes pharmaceutiques. Ce sont elles qui ont intérêt à cette émise en scène », disait un spécialiste algérien, qui avait peu de chances d’être entendu dans le monde. Mais quelques semaines plus tard, des voix, enfin audibles et reconnues, se sont faits entendre. Comme le directeur général de l’Office international des épizooties (OIE), Bernard Vallat, qui s’est vertement pris à l’OMS pour sa gestion de la crise de la grippe aviaire, "La théorie de l’arrivée cyclique de pandémies n’a aucune base scientifique", a dit ce spécialiste mondialement reconnu. Sa thèse, simplifiée, revient à ceci : les virus ont toujours existé, ils ont toujours muté, il y a eu des pandémies cycliques dans l’histoire. Mais ce n’est pas une raison pour affirmer qu’une nouvelle pandémie est imminente. Elle peut aussi bi survenir à la fin de ce siècle, qu’elle peut ne jamais survenir.

Mais si la grippe aviaire est une menace possible, voire probable, la peur, elle, est bien réelle. C’est une peur quotidienne, permanente, sans laquelle le monde occidental, notamment l’Amérique, parait incapable de fonctionner. Cette peur est devenue son essence, son énergie. C’est sa principale motivation, comme l’a montré le réalisateur Michael Moore. Elle donne un sens à la vie à la vie américaine. Elle a aussi besoin d’être constamment alimentée. Si Ben Laden et Saddam sont neutralisés, ou sont incapables d’agir, il faut inventer un nouvel ennemi. Chavez le latino, l’Arabe, le Noir africain déferlant sur l’Europe, le dictateur sud-coréen qui menace de jouer au fou. Et si la liste est épuisée, ce sera un virus, venant de la lointaine et mystérieuse Asie.

Dans ce scénario de la peur imposé au monde entier, à tort ou à raison, on relève une première curiosité : le pauvre et le riche n’ont pas les mêmes peurs, mais le riche réussit toujours à faire partager sa peur au pauvre. Il finit par le convaincre que ce qui menace le riche finira, tôt ou tard, par s’attaquer au pauvre. Ainsi, un pauvre a peu de chances de mourir au volant d’une Mercedes. Pourtant, à force d’entendre parler de vitesse, de voitures neuves et de bolides de luxe, il finit par adopter les hantises du riche, oubliant ses propres déboires.

Qu’en on en juge. Le SIDA tue deux millions et demi de personnes par an en Afrique. La grippe aviaire n’a encore tué personne sur le continent. La pandémie de grippe aviaire est hypothétique. Celle du SIDA est là, bien réelle, avec ses conséquences dramatiques. Pourtant, en Afrique, on a plus parlé de grippe aviaire que de SIDA cette année.

Un adulte sur cinq est porteur du virus du SIDA dans certains pays d’Afrique Australe, et ce chiffre atteint une personne sur trois dans les plus touchés. Ce qui annonce une catastrophe démographique sans précédent, avec des pays qui risquent de se dépeupler dangereusement.

Avec 4,2 millions de personnes infectées, l’Afrique du Sud est devenue le pays qui compte le plus grand nombre de malades du SIDA. Déjà, en 1999, 250.000 décès étaient dus au SIDA dans ce pays. Ce chiffre a été stabilisé, mais personne n’échappe à la maladie. Ainsi, Nelson Mandela a lui-même annoncé, début 2005, que son propre fils était mort du SIDA, et que trois ministres de la région avaient succombé à, la même maladie.

Au Zimbabwe, une jeune fille de 15 ans a quatre chances sur dix de mourir du SIDA avant de donner naissance à un premier enfant. En outre, la pandémie « produit des orphelins à une échelle sans pareil dans l’Histoire", selon  un rapport officiel américain : à cause du SIDA, l’Afrique comptera 28 millions d’orphelins dans dix ans.

Dans le monde, le SIDA fait déjà 8.000 morts par jour, et on enregistre quotidiennement 14.000 nouveaux cas. Chaque minute, six à sept jeunes de moins de 25 ans sont contaminés. Au total, l’équivalent d’une fois et demi la population algérienne est porteuse du virus du SIDA, une maladie qui a d’ores et déjà tué l’équivalent de la moitié de la population de la France.

Parle-t-on de SIDA en Afrique ? Pas suffisamment, malgré les efforts de personnalités de l’envergure de Nelson Mandela. En parle-t-on en Algérie ? Très peu. Trop peu. C’est une maladie « honteuse », qui manque de classe. Et puis, dit-on, elle est peu répandue en Algérie, et ne constitue pas une menace. De plus, elle est démodée : ce n’est plus une préoccupation pour les riches. Place donc à la grippe aviaire, plus « branchée ».

Pourtant, un enfant africain qui attrapera la grippe aviaire est presque un chanceux. Cela signifiera qu’il aura échappé à la malnutrition, aux maladies transmises par l’eau ou par le manque d’eau. 30 millions de personnes meurent chaque années en raison de l’insuffisance de l’eau potable. Il est chanceux parce qu’il aura échappé auparavant au paludisme, qui fait deux millions de victimes par an.

Faut-il avoir peur de la grippe aviaire, en fin de compte ? Peut-être pas. Car si la grippe aviaire débarque sur le continent africain, cela signifiera peut-être que les Africains auront  survécu aux autres maladies. Mais le plus probable est que la grippe aviaire viendra, dans cette hypothèse dramatique, s’ajouter aux autres fléaux de l’Afrique, que les séropositifs mourront par millions car leurs organismes ne seront plus en mesure de se défendre à cause du SIDA, et que, plus terrible que tout, ils ne seront pas en mesure de payer l’euro que coûtera le médicament nécessaire à leur survie.

 

فضيحة أوربية تتحول إلى فضيحة عربية

قضية اللاجئين الأفارقة في المغرب

فضيحة أوربية تتحول إلى فضيحة عربية

 

عابد شارف

فضيحة جديدة يصنعها فقر إفريقيا وأنانية أوربا. لكن بلدان المغرب العربي تدفع ثمنها مرة أخرى، بسبب ضعفها السياسي والأخطاء التي ارتكبتها تجاه اللاجئين الأفارقة غير الشرعيين الذين يريدون الرحيل إلى أووربا مرورا بالمغرب ثم إسبانيا. وتعقدت الأمور لتتحول إلى فضيحة كبرى بسبب انعدام أية خطة سياسية لمواجهة الموقف، مما يدفع بلدان الغرب العربي إلى اتخاذ قرارات عشوائية لاأخلاقية تحولت مع ممر الأيام إلى جريمة.

فظاهرة اللاجئين الأفارقة في الجزائر معروفة منذ حوالي عقدين. في بداية الأمر، كانت تقتصر على مدن الجنوب لما كان الأفارقة يزحفون إلى تامنراست و أدرار بعد الجفاف الذي أصاب بلدان الساحل في بداية الثمانينات. ورغم أن السلطات الجزائرية قامت بترحيل المئات منهم بالتنسيق مع بلدانهم الأصليين، فإن الموقف الحقيقي كان يتميز بنوع من الليونة في التعامل مع هؤلاء البؤساء. وكانت الجزائر آنذاك تحافظ على بعض القيم التي صنعت نضالها في منتصف القرن الماضي، من تضامن ومساندة الفقراء والعطف على الضعفاء.

ومنذ بداية التسعينات، تضاعف عدد اللاجئين، وتشكلت في المدن الكبرى أماكن خاصة يتجمع فيها الأفارقة، تحولت إلى بورصة لليد العاملة. ففي العاصمة مثلا، كان الأفارقة يجتمعون كل صبيحة في ساحة بور سعيد قرب المحطة المركزية للقطار، وفي دالي إبراهيم، في أعالي العاصمة. وكان سكان المدينة يعرفون ذلك، ويقصدون هذه الأماكن إذا كانوا في حاجة إلى عامل يقبل التشغيل في ظروف صعبة ويكتفي بالقليل.

لكن العاصمة الجزائرية لم تكن إلا مرحلة في هجرة هؤلاء الأفارقة، الذين فقدوا كل أمل في بلدانهم واختاروا المغامرة لعلهم يصلون يوما ما إلى أوربا. وكانت مدن الجنوب مرحلتهم الأولى، حيث يصلونها بعد رحلة شاقة في الصحراء يلتقون خلالها قطاع الطرق والمجموعات الإسلامية المسلحة ويدفعون رشاوي عديدة للدخول إلى التراب الجزائري.

وبعدها تبدأ المرحلة الثانية للوصول إلى الشمال الجزائري، مرورا بمدن غرداية و ورقلة للاتجاه نحو الجزائر العاصمة أو وهران في الغرب أو مغنية على الحدود المغربية. وحسب الاتجاه، يتضح هدف كل مجموعة. فبالنسبة للذين يختارون الاتجاه إلى العاصمة، فإنهم يبحثون عن عمل وعن فرصة للاستقرار في الجزائر لمدة معينة، لعلهم يجدون فرصة للاستيطان نهائيا بعد ذلك. وإذا تمكنوا من جمع أموال كافية، فإنهم يحاولون شراء وثائق وتأشيرة للسفر إلى أوربا، مع العلم أن كل شيء يباع ويشترى في الجزائر. وقد اكتشفت القنصلية الفرنسية نفسها خلال السنوات الماضية شبكات لتزوير تأشيرة "شنغن" التي تعتبر مفتاح الجنة.

أما الذين يختارون مغنية، على الحدود المغربية، فإن هدفهم واضح. إنهم يريدون دخول المغرب بصفة غير شرعية، وذلك رغم أن الحدود بين البلدين مغلقة منذ سنة 1994، لما اتخذت الجزائر هذا القرار للرد على السلطات المغربية التي أعادت تأشيرة الدخول بين البلدين بعد العمليات الإرهابية التي عرفتها مدينة مراكش والتي نسبتها المغرب إلى مجموعات مسلحة جزائرية.

ومع تكاثر عدد اللاجئين، برزت "أحياء إفريقية" في عدد من المدن، وظهرت معها تصرفات غير قانونية مثل تزوير الأوراق النقدية وتهريب المخدرات والتجارة الجنسية وارتكاب عدد من الجرائم. وأدت إلى ردود فعل غريبة في المجتمع الجزائري مع بروز العنصرية واحتقار الأفارقة. ونشرت عدد من الصحف مقالات تتهم هؤلاء أنهم السبب الأول في انتشار الجريمة والدعارة في بعض المدن، بلهجة لا تختلف عن تلك التي يستعملها اليمين الفرنسي المتطرف تجاه المغاربة في فرنسا.

وفي منتصف سبتمبر الماضي، بلغت هذه الظاهرة أقصاها لما قام عدد من شبان أحد أحياء مدينة وهران بعملية "تصفية عرقية"، حيث قضوا ليلة كاملة "يصيدون" الأفارقة، حاملين العصي والأسلحة البيضاء، ليأخذوا ثأر شاب اغتاله أحد الأفارقة.

وبصفة عامة يبقى هؤلاء اللاجئين يعيشون في غيطوهات ghettos، في فنادق من أدنى درجة تكلفهم 200 دينار (اقل من 2 أورو). ويبقى وجودهم شبه سري حيث لا يحتكون بالجزائريين إلى في ميدان العمل والمعاملات التجارية. ومنهم من يتمكن من يستقر بصفة مقبولة مثل ذلك البناء maçon الذي كان يعيش مع عائلته في بوزريعة بأعالي العاصمة منذ سنوات. وكان سكان الحي يعرفون أنه لا جئ غير شرعي لكنهم قبلوهم وساعدوه وتمكن من الاندماج في المجتمع. وبعد وفاته تكفل أحد سكان الحي بابنه البالغ أربع سنوات لمدة تقارب السنة قبل أن يتمكن من الحصول على وثائق رسمية سمحت له أن يعيده إلى نيجيريا حيث توجد أمه التي كانت غائبة عند وفاة زوجها.

غير أن الجزائر مثل المغرب وتونس وليبيا لا تشكل إلا مرحلة عبور لهؤلاء في رحلة طويلة وشاقة تدوم سنوات لتصل بهم إلى أوربا. ويشكل المغرب نقطة الضعف في هذه الرحلة. والظاهرة معروفة منذ سنوات لكنها أخذت طابعا مأساويا بعد وفاة خمسة أشخاص من مجموعات حاولت اقتحام مقاطعة مليلة الإسبانية بقوة. وردت السلطات المغربية بطريقة بشعة لتثبت أنها وضعت حدا للتسامح الذي كانت تبديه لحد الآن تجاه الأفارقة الذين يعيشون في مناطق جبلية بالقرب من مقاطعتي سبتة ومليلة في انتطار فرصة سانحة للدخول إلى الجنة، هذا إذا لم تدفعهم محاولتهم إلى جهنم. وذلك ما وقع فعلا سواء للذين أطلقت عليهم النار الشرطة المغربية، أو هؤلاء الذين تم القبض عليهم ثم ترحيلهم إلى الصحراء في الجنوب المغربي قرب الحدود الجزائرية وتركوا في العراء دون ماء ولا أكل.

وبسبب العلاقات المتوترة بين الجزائر والمغرب، والحدود البرية التي مازالت مغلقة بينهما، لم يحاول البلدان أن يتشاورا ليجدا حلا جماعيا، بل اختارت السلطات المغربية أن توجه أصابع الاتهام إلى الجزائر التي لا تقوم بالعمل الضروري لحراسة حدودها حسب ما قال مسئولو الرباط. ولا يمكن الجزم أن الجزائر تتهاون في هذه القضية، حيث قال أحد المحللين في الجزائر أنه لو كانت البلاد قادرة على حماية الحدود فعلا لقامت بحمايتها من تهريب السلاح والمواد الغذائية والمخدرات والمجموعات الإرهابية. وبعد عجزها في مراقبة الحدود، انضمت الجزائر إلى مناورات عسكرية مشتركة تقوم بتنسيقها الولايات المتحدة لوضع ميكانيزمات جديدة لمكافحة الإرهاب، لكن أغلب المحللين يعتقدون أنها لم تقتصر على هذه النقطة بل ستتجاوزها لتشمل محاربة الهجرة غير الشرعية وحراسة آبار النفط في الصحراء الجزائرية.

ولما اختارت السلطات المغربية تلك الطريقة البشعة للتعامل مع اللاجئين الأفارقة، مع إطلاق النار عليهم وتحويلهم إلى الصحراء، أصبح المغرب أول متهم، ثم الجزائر، مع العلم أن السبب الرئيسي لهذه الظاهرة يبقى المأساة التي تعيشها إفريقيا. وسواء جاء اللاجئون من إفريقيا أو من آسيا، وسواء اختاروا الجزائر أم المغرب أو تونس أو ليبيا للمرور نحو أوربا، فإن هذا الزحف لم ينته مادامت القارة السمراء تعيش هذه المعاناة. وقد أحصت المنظمات غير الحكومية حوالي 4.000 شخصا ماتوا خلال محاولتهم الوصول إلى أوربا، سواء عبر الصحراء أو بواسطة تلك السفن التي تتحول إلى تابوت قبالة السواحل الإيطالية أو الإسبانية.

وقد أدركت الدول الأوربية حجم هذه الظاهرة، لكنها لم تتخذ أي حل جذري يسمح بمعالجتها بطريقة إنسانية، وفضلت العمل البوليسي والخيري. فقد اختارت البلدان الأوربية أن تتعاون لطرد هؤلاء اللاجئين في رحلات مشتركة، كما طلبت من بلدان المغرب العربي أن تمنع اللاجئين من ركوب البحر لأن المشكل يصبح أوربيا بمجرد أن تبتعد السفينة من السواحل الإفريقية. وسافر كل من الرئيس الفرنسي جاك شيراك والوزير الأول الإيطالي سيلفيو برليسكوني ونظيره البريطاني طوني بلار إلى بلدان المغرب، ونزلوا بالأخص ضيوفا على الزعيم الليبي معمر القذافي ليطلبوا منه تشديد الحراسة على سواحل بلاده.

وبعد أن أقامت البلدان الأوربية جدارا أحصن من جدار برلين لمنع البؤساء من الوصول إلى ترابها، اقترحت على بلدان شمال إفريقيا مساعدات مالية وبوليسية للتعامل بحزم مع هذه القضية. وطلبت أوربا من بلدان المغرب العربي أن تقيم مخيمات لحجز هؤلاء اللاجئين وإعادتهم إلى بلدانهم الأصلية قبل ركوبهم البحر. وقال المسئولون الأوربيون أنهم مستعدون لتمويل العملية كلها، بل أنهم مستعدون أن يدفعوا أموالا زائدة شريطة أن يتم قمع اللاجئين من طرف الأمن العربي لا من طرف الأمن الأوربي.

ومقابل التنسيق الأوربي، تبقى بلدان المغرب العربي من جهتها تتصرف تجاه القضية بصفة فردية، حيث يحاول كل بلد أن يغازل الأوربيين لربح شيء ما، سواء كان الربح سياسيا مثلما هو الحال بالنسبة للجزائر وليبيا، أو كان اقتصاديا مثلما تحاول الحصول عليه كل من المغرب وتونس. وأصبحت قضية اللاجئين ورقة سياسية جديدة في المفاوضات بين ضفتي المتوسط، ونسيت مختلف الأطراف بصفة شبه كاملة أن القضية الحقيقية تتعلق بحياة ومصير فئات كاملة من الشعوب الإفريقية التي فقدت الأمل وأكدت أنها مستعدة لخوض أية مغامرة بدل البقاء في بلدان مات فيها الأمل نهائيا.

ع.ش

abc@wissal.dz

إستفتاء في الجزائر لإقامة سلطة مطلقة ومصادرة الديمقراطية

 

عابد شارف

 

إذا كان الاستفتاء يشكل عادة رمزا للعمل الديمقراطي، فإن الجزائر تمكنت من تحويل الاستفتاء إلى عملية تفتح الباب أما إقامة سلطة مطلقة. وهذا ما سيتأكد في نهاية الأسبوع مع الاستفتاء الذي سيتم تنظيمه غدا الخميس حول مشروع ميثاق السلم والمصالحة الذي اقترحه الرئيس عبدالعزيز بوتفليقة.

وينص هذا الميثاق على عفو شبه شامل فيما يتعلق بأعمال العنف التي وقعت خلال ثلاثة عشر سنة، منذ أن لجأ أنصار الجبهة الإسلامية للإنقاذ إلى العمل المسلح بعد إلغاء الانتخابات التي فازت بها جبهة الإنقاذ في ديسمبر 1991. فمشروع الميثاق ينهي المتابعات القضائية ضد مرتكبي أعمال العنف، ويفتح الباب أمام إطلاق سراح المعتقلين، كما يسمح للقياديين الإسلاميين الموجودين في المنفى بالعودة إلى الجزائر. ومن جهة أخرى يقترح المشروع وضع حد لملف المفقودبن الذين تسبب الجيش وقوات الأمن في اغتيالهم، مقابل منح تعويضات مالية ومساعدات اجتماعية لأهاليهم. ويبلغ عدد المفقودين 7.000 حسب منظمات حكومية، إلى 15.000 حسب منظمات مستقلة لحقوق الإنسان.

ولا يستثني المشروع من العفو إلا مرتكبي المجازر الجماعية وجرائم الاغتصاب ومن تسببوا في تفجير قنابل في المراكز العمومية. لكن لم يتم لحد الآن أي تحقيق لتحديد هوية المسئولين عن مثل هذه العمليات، مما يؤكد أن العفو سيكون شاملا، علما أن المؤسسات الجزائرية، وخاصة القضاء، يبقى عاجزا عن القيام بالتحقيقات الضرورية لتحديد المسؤوليات.

بالمقابل، يفرض المشروع على المسئولين السابقين في الجبهة الإسلامية للإنقاذ التخلي عن أي نشاط سياسي. وقد وافق على هذا الاقتراح معظم القياديين الإسلاميين، سواء منهم الموجودين في الخارج مثل رابح كبير، أو الذين كانوا على رأس المجموعات المسلحة مثل مدني مزراق. وقد قام هذا الأخير بتنظيم تجمعات شعبية وجه خلالها نداء للمناضلين السابقين في حزبه بالتصويت لصالح المشروع. ورغم تحفظ عباسي مدني، رئيس الجبهة الإسلامية للإنقاذ الموجود حاليا في الخليج، ونائبه علي بلحاج المسجون حاليا، فإن التيار الإسلامي بصفة عامة يساند المبادرة، موافقا بذلك الجناح العسكري الذي خاض المعركة، والذي سيطر على الموقف على حساب الجناح السياسي في جبهة الإنقاذ.

وقد قاد الحملة لصالح ميثاق السلم والمصالحة الرئيس عبدالعزيز بوتفليقة نفسه، حيث ترأس تجمعات شعبية عديدة في مختلف مناطق البلاد. وساعده في العملية رؤساء الأحزاب المشاركة في التحالف الحكومي مثل عبدالعزيز بلخادم عن جبهة التحرير الوطني والوزير الأول أحمد أويحيى عن التجمع الوطني الديمقراطي. ومع ممر الأيام، تحول الاستفتاء إلى عملية مبايعة، حيث لم يبق أي شك حول نتيجة الاقتراع. ومن المحتمل أن تقارب نسبة المصادقة على مشروع الرئيس بوتفليقة 90 بالمائة، بينما ركز أصحاب المبادرة على نسبة المشاركة التي يريدونها عالية حتى تعطيهم التزكية الضرورية لاتخاذ مبادرات جديدة في الأشهر القادمة. وقد قال فاروق قسنطيني، رئيس لجنة حكومية مكلفة بملف المفقودبن، أنه سيتم إصدار حوالي 20 قانونا لتطبيق الأفكار التي يقترحها مشروع ميثاق السلم والمصالحة.

ولم تتمكن التيارات أو الأحزاب المعارضة أو المتحفظة عن المشروع أن تبدي رأيها خلال الحملة الانتخابية، ومن أبرزها جبهة القوى الاشتراكية التي يتزعمها حسين آيت أحمد والرابطة الجزائرية للدفاع عن حقوق الإنسان برئاسة علي يحيى عبدالنور وعدد من الشخصيات مثل الأمين العام السابق لجبهة التحرير الوطني عبدالحميد مهري. واحتكرت السلطة وسائل الإعلام وجندت وسائل الدولة لتنظيم الحملة، بينما لم تتمكن التيارات المخالفة من التعبير إلا بواسطة عدد قليل من الجرائد الخاصة. وقد كانت حجة المعارضين مبنية على عدد من الاعتبارات، منها رفض النسيان، وعدم اقتناعهم أنه يمكن بناء المستقبل على حساب الضحايا، وأن مشروع الميثاق يعطي حصانة لمرتكبي الجرائم ويشجع بذلك على ارتكاب جرائم في المستقبل، وأخيرا أن الميثاق يفتح الباب أمام حكم استبدادي ويقضي على الديمقراطية والحريات.

وفي هذا الإطار، فإن مشروع ميثاق السلم والمصالحة يحمل فكرتين أساسيتين. فمن جهة يمنع الميثاق أي استغلال سياسي للأزمة التي عاشتها الجزائر، ومن جهة أخرى، يكلف الرئيس بوتفليقة باتخاذ كل المبادرات التي يراها ضرورية لتطبيق الميثاق. ومن هذا المنطلق، فإن المتابعة القضائية لمرتكب عملية اغتيال تمت خلال السنوات الماضية ستصبح مستحيلة بعد المصادقة على المشروع. ولا يمكن كذلك متابعة أحد أعوان الدولة سواء كان في الشرطة أو الجيش أو المخابرات أو الميليشيات حتى ولو ثبت أنه شارك في عملية اغتيال أحد المفقودين. وبصفة عامة، فإن ملف سنين الإرهاب سيتم غلقه رسميا.

أما من الناحية السياسية، فإن الرئيس بوتفليقة سيفتح لنفسه بفضل مشروع الميثاق مجالا للتحرك بحرية أكبر رغم أن سلطته تكاد تكون غير محدودة منذ اختاره الجيش لرئاسة البلاد سنة 1999. فالنظام الجزائري لا يعرف الفصل بين السلطات، والبرلمان يصادق على كل اقتراحات رئيس الجمهورية، والقضاء أصبح جهازا من أجهزة السلطة. ولا توجد المعارضة إلا داخل السلطة نفسها، بين الدوائر التي تحيط برئاسة الجمهورية وقيادة الجيش والمخابرات.

ومن هذه الزاوية، يظهر استفتاء 29 سبتمبر بصورة جديدة، فهو مبايعة من طرف الشعب لاتفاق تم بين الأطراف الفاعلة في السلطة، من رئيس الجمهورية وقيادة الجيش والمخابرات للخروج من المأزق. ويقضي هذا الاتفاق بإقرار عفو شامل يقوم الرئيس بوتفليقة بتطبيقه. ويحظى هذا الاتفاق بالشرعية الشعبية الضرورية بفضل الاستفتاء، لكن دون اللجوء إلى البرلمان والقوى السياسية المتواجدة في المجتمع.

ولما تدخل الجزائر مرحلة التطبيق العملي للاتفاق، ستقتصر المشاركة على نفس الأطراف الفاعلة في السلطة، علما أن الرئيس بوتفليقة يبقى مرتبطا بالأطراف التي سمحت له بالوصول إلى رئاسة الجمهورية، والتي ستشاركه حتما في اتخاذ قرارات ما بعد الاستفتاء. والأولوية بالنسبة لهذه الأطراف، خاصة في قيادة الجيش، تتمثل في العفو لوضع حد للاتهامات الموجهة إليهم والمتعلقة بالقمع الذي عاشته البلاد خلال التسعينات. وأول ملف يهددهم هو ملف المفقودين، حيث أن تنظيمات حقوق الإنسان المعارضة للنظام تقول علنا أن اغتيال أكثر من 10.000 شخص من طرف أعوان الدولة لا يمكن أن يتم بصفة منعزلة، وبالتالي أن ذلك يشكل جريمة ضد الإنسانية لا يمكن إصدار عفو عنها.

وهذه أقوى ورقة يستعملها الرئيس بوتفليقة تجاه خصومه في قيادة الجيش. وقد قال عدة مرات أنه لن يسمح أبدا بالمساس بالمؤسسة العسكرية، وبرهن منذ وصل إلى السلطة أنه مستعد لتغطية أخطاء قيادة الجيش، وأنه سيواصل في هذا الاتجاه إذا سمحوا له بالبقاء في السلطة بعد انتهاء عهدته الحالية سنة 2009.

و تشكل هذه النقطة جوهر المفاوضات الحالية في أعلى هرم السلطة الجزائرية. فالدستور الحالي لا يسمح لبوتفليقة بعهدة ثالثة، ولا بد من تغيير الدستور إذا أراد أن يبقى في الرئاسة بعد 2009، مما دفع أنصاره مثل زعيم جبهة التحرير الوطني عبدالعزيز بلخادم إلى التركيز على ضرورة تغيير الدستور مباشرة بعد الاستفتاء.

ومن الواضح أن الأوضاع ستتغير بعد استفتاء 29 سبتمبر. فإذا اتخذ الرئيس بوتفليقة التدابير الضرورية لتبرئة ذمة قيادة الجيش، لا شك أن هؤلاء سيوافقون بدورهم على فتح المجال له لعهدة رئاسية ثالثة. وسيحقق بذلك بوتفليقة تحالفا لا مثيل له، حيث أنه سيحظى بمساندة الجيش من جهة، والأحزاب الكبرى من جهة أخرى، والإدارة من جهة ثالثة، إلى جانب المجموعات المسلحة الإسلامية التي حاربت السلطة خلال التسعينات. وقد أكد مداني مزراق زعيم أكبر تنظيم مسلح وهو الجيش الإسلامي للإنقاذ هذا الأسبوع أنه سيساند بوتفليقة مهما كانت الظروف.

ومن الواضح أن بوتفليقة سيجد نفسه في موقع قوة لا نظير له مثلما أشار إليه زعيم التجمع من أجل الثقافة والديمقراطية سعيد سعدي. فالوضع السياسي الجديد يسمح له بتجاهل كل معارضة تنادي بالديمقراطية. وأكثر من هذا كله، فإن بوتفليقة تمكن من بناء تحالف جديد يسمح له بإقامة حكم استبدادي انطلاقا من عملية استفتاء من المفروض أن تكون رمزا وانطلاقا للديمقراطية.

وقد عرفت الجزائر سابقة مماثلة في الماضي. ففي سنة 1991، انفجرت الأزمة في البلاد مع عملية انتخابية حرة فازت فيها الجبهة الإسلامية للإنقاذ، مما دفع الجيش إلى وضع حد للمسار الانتخابي ودخول البلاد أزمة تميزت بسلطة مطلقة. واليوم، وكأن التاريخ يعيد نفسه، فالجزائر تباشر استفتاء يفتح الباب أمام سلطة مطلقة لمرحلة جديدة.

ع.ش